زكي مراد.. ابريم.. النوبه — 180° — أخبار و تحقيقات تهمك

زكي مراد.. ابريم.. النوبه

زكي-مراد-ابريم-النوبه

كتبه : عادل وليم


في أول شهر سبتمبر من عام 1927 ولد طفل بقرية صغيرة في بلاد النوبة القديمة عرفت دروب القرية خطواته الراقصة علي إيقاع الموسيقي النوبية كما عرفت المحاكم المصرية مرافعاته الشهيرة.

وفي الطريق من القرية إلي المدينة تحول (زكي مراد) وخلال حياته التي لم تستمر أكثر من اثنين وخمسين عاما إلي مصانع حواديت مصرية) 

ونبدأ الحدوتة من الاسم إذ كان عمدة قرية (إبريم الجنوبية) محمد إبراهيم أحمد أغا يعشق الملحن المصري اليهودي زكي مراد ويقدر فنه فقرر أن يسجل مولوده بنفس الاسم المركب تيمنا بهذا الفنان الكبير.

وبين بيت (العمدة في بلاد النوبة) وبيت حي المنيرة بالقاهرة

حيث عاش (المناضل زكي مراد) حكايات تحفظها جدران بيوت ومعتقلات كما تحفظها قاعات المحاكم التي دافع فيها عن عشرات المصريين البسطاءبين جدران

( مكتب المحامي والمناضل زكي مراد) في وسط البلد استقبلتني( ابنته الكبري المحامية صفاء) في مكتب والدها الراحل المحامي زكي مراد وابنه الثاني صلاح الذي يعمل مفتشا مصرفيا حكايات صفاء وصلاح عن البيوت التي عاش فيها زكي مراد قادتنا جميعا إلي جذور عميقة تخطت جدارن مكتب شارع شريف.

بيت العمدة

لم تنجب زوجة عمدة إبريم الأولي فتزوج زوجته الثانية فاطمة محمد أحمد والدة زكي مراد الابن الأوسط بين الأخ الأكبر ظهير الدين فوزي والأخت الصغري زبيدةتحكي صفاء عن جدها وجدتها (كانت جميلة الجميلات في قريتها محبة للرقص إلي حد الولع وكان والدي ملتصقا بجدتي الجميلة المحبة للحياةتذهب إلي الأعراس النوبية بصحبة والدي لتشارك في الرقصات النوبية الشهيرة خاصة رقصة الأراجيد مرتدية الأزياء والحلي المميزة فقد كانت أيضا محبة للتراث والفن والقص والشعر، وكانت ذات شخصية قوية ومؤثرة علي جدي ووالدي وكل الأجيال في عائلتي وظلت بكامل حيويتها وتألقها حتي وفاتها بعد وفاة والدي بعام واحد أما جدي فقد كان مع صديقيه (محمد الباقر) ومحمد جمال أول المهتمين والداعين لتعليم الشباب النوبي في عشرينيات القرن الماضي، وكان عاشقا للموسيقي والشعر

يشير صلاح إلي أن بيت العمدة الكبير كان يطل علي النيل كعادة بيوت القري النوبية القديمة فتعلق زكي مراد برياضة السباحة التي جمعته بالروائي والمناضل الكبير( محمد خليل قاسم) ويضيف عرفت النوبة استقدام خدم من أفريقيا للعمل في البيوت والأراضي كان يتم شراؤهم عبيدا وظلت ذريتهم جزءا من العائلات النوبية حتي الآن ويحمل الكثير منهم أسماء العائلات التي عمل عندها أجدادهم باعتبارهم أبناء بالكفالة كحل للخروج من نظام العبودية تدريجيا كان أبي قد تربي مع أحد أبناء العبيد آنذاك واعتبره أخا له وكان خلاف أبي وجدي الأوحد حول كون هذا الرجل أخا له وليس مجرد ابن لعبد فلا  فرق بينهما وكانت قناعته تلك ما دعته لاعتباره عما لنا وجزءا من أسرتنا حتي وفاته( مناخ فني وإيمان بالعدالة) الاجتماعية مكونات أساسية لشخصية( زكي مراد) كان ينتمي لعائلة ميسورة لكنه يعيش بين مجتمع من الفقراء والأجراء دعاه للتفكير في قيم شكلت جزءا من قناعاته وانتمائه السياسي بعد ذلك ترك قريته وهو لم يتم الخامسة عشر من عمره لاستكمال دراسته بالقاهرة بتشجيع من والدته وقناعة من والده.

حجرة أرض شريف

يغادر قريته وهو مازال صبيا صغيرا عام 1943ويلتحق بمدرسة حلوان الثانوية ثم مدرسة السعيدية استأجر بالمشاركة مع ابن عمه محمد صالح وصديقه ورفيق دربه محمد خليل قاسم غرفة في أرض شريف ستشهد مراحل مهمة من حياته

 يعلق صلاح لم يبق كثيرا في هذه الغرفة لأنه تقريبا لم يستقر في مكان منذ انخرط في الحياة السياسة في مرحلة مبكرة من عمره ولم يتأثر (بالإخوان المسلمين) كعادة الشباب وقتها كان اليسار هو الأقرب لقناعاته وفي حجرة أرض شريف بدأ تكوينه السياسي واختلاطه بمجتمع الكتاب والمثقفين

تردده علي التجمعات النوبية ونشره قيم العدالة والمساواة وانضمامه لصفوف اليسار المصري.

سجن الواحات

(اعتقل زكي مراد لأول مرة عام 1949) وظل حتي 1953

 ثم تم( اعتقاله مرة أخري من عام 1954) حتي عام 1964 يضيف صلاح

البيت الكبير بالنسبة لوالدي هو المعتقل فقد قضي فيه أكثر من( ثلاثة عشر عاما متواصلين) وبينما شاركه المناضل( محمد خليل قاسم) والمناضل( مبارك عبده فضل) عشر سنوات منها فهناك مجموعة كبيرة من النوبيين المنتمين لصفوف اليسار قضوا معه سنوات أقل مثل (سيد إسحق) (وإبراهيم شعراوي) (ونور سليمان) (ومحمد حمام) وآخرين

 في وقت كانت النوبة تعاني من أزمة( بناء السد العالي) والتهجير حتي إن المعتقلين النوبيين شكلوا لجنة فيما بينهم لمناقشة هذه الأمور و كانوا يلجأون للتحدث باللغة النوبية حتي لا يفهمهم الحراس وتعلم (زكي مراد وآخرون اللغة الانجليزية والفرنسية) في مدرسة( الناظر) محمد خليل قاسم التي تتلمذ فيها معتقلون وحراس معا.

وفي المعتقل ارتبط زكي بعلاقات وثيقة مع أدباء وفنانين كبار منهم

( فؤاد حداد) (وحسن فؤاد) (وأحمد الرفاعي) (وكمال عبد الحليم) (وسمير عبدالباقي) وآخرون واهتم بالزراعة في سجن الواحات إلي جانب اهتماماته الفنية والأدبية، تشير صفاء: "رسم الفنان حسن فؤاد بروفيل لأبي بالزيت علي مضرب راكت، وقدمه هدية في عيد ميلاده، كما كتب له( فؤاد حداد أغنية) (الليلة يا سمرا) التي غناها لاول مرة الفنان الراحل (محمد حمام) في عيد ميلاده أيضا في سجن الواحات، قبل أن تنتشر بصوت محمد منير في الثمانينيات وكذلك رسم محمد حمام رسوماً تعبيرية علي نفس الورقة التي كتب فيها فؤاد حداد كلمات الأغنية بخطه، بعد خروج أبي من المعتقل قام ببروزة الورقة وعلقها في غرفة نومه كما علق مضرب الراكت في صالون بيت المنيرة وما زالا في مكانهما حتي الآن".

بيت المنيرة والاحتفالات "السرية"

تزوج( زكي مراد) من ابنة خاله( فتحية سيد أحمد) بعد خروجه من المعتقل بعدة أشهر، ولدت فتحية في السودان وعاشت في القاهرة لفتت انتباهها أخبار ابن العائلة الطفل المشاغب والفتي المعتقل دائما لكنهما اقتربا أكثر من خلال مشاركتها كإخصائية اجتماعية في بحوث دكتور سيد عويس صديق زكي مراد وكان زواج المشاغب زكي مرادوالمتمردة فتحية سيد أحمدبداية تكوين جيل ثان من عائلة زكي مراد في بيت المنيرة الذي لم يرد زكي عنه بديلا.. يؤكد صلاح "تنازل أحد أصدقائه الأجانب عن شقته في حي جاردن سيتي وكان إيجارها مناسباً إلا أن والدي رفض الانتقال من شقة المنيرة ورشح شقة جاردن سيتي لصديقه( كمال عبد الحليم) الذي كان يبحث عن شقة للزواج فيها (بعد خروجه من المعتقل) 

وظل بيت المنيرة المكون من خمس غرف مركزا للأقارب القادمين من النوبة الي المدينة للدراسة والعمل، وكذلك لأصدقاء زكي مراد ورفاقه في المعتقل، وأسرهم مثل رسامي «روزاليوسف»

( زهدي) (وحسن فؤاد) (وأسرة يوسف درويش) (وشحاتة هارون) (ويوسف صديق) (ومحمود توفيق) (وعبد الله الطوخي) (وفتحية العسال) وغيرهم.

كان( مكتب زكي مراد) ملاذا لكثير من البسطاء في القضايا السياسية تحديدا وأشهرها قضية الحركة الطلابية عامي 1971، 1972، كان بمشاركة نبيل الهلالي مدافعا عن المعتقلين وفي عام 1975 تمت

إعادة تأسيس( الحزب الشيوعي المصري) وكان (لزكي مراد) الباع الأكبر في ذلك واعتقل لمدة تسعة أشهر ظل خلالها للبيت دوره الأكبر كمقر للتجمع والتلاقي يقول صلاح في السبعينيات تحديدا كانت هناك كثير من الاحتفالات التي شهدتها شقة المنيرة وضمت كبار فناني ومثقفي ومفكري مصر إلي جانب البسطاء من الأقارب والجيران في صيف عام 1976 أقيمت حفلة كبيرة تحت دعوي "عيد ميلاد صلاح وصفاء" لكن السبب الحقيقي لهذه الاحتفالية كان نجاح أربعة مرشحين من اليسار في الانتخابات البرلمانية

وضم هذا الحفل الكبير( عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ ومحمد حمام وفؤاد حداد وصلاح جاهين والشيخ إمام وعدلي فخري والمطرب السوادني محمد وردي وفرقة حسن السيسي الجنوبية)

إلي جانب الأقارب القادمين من النوبة وقاطني القاهرة والجيران إلي حد أنهم "احتلوا" سطوح البيت-علي حد تعبير صلاح- وتحولت الليلة إلي فرح نوبي شارك فيه الجميع.

وفي هذه الاحتفالية تحديدا كان( محمد منير) يغني لأول مرة ويتعرف علي الفنانين والمثقفين الذين تبنوا مسيرته الفنية فيما بعد، يعلق صلاح

 (كان زكي مراد يعتبر محمد منير ابنا مقربا وموهبة تستحق الدعم) اللافت أن منير غني بعد سنوات من وفاته أغنية

 ( يا بلح أبريم يا سمارة) التي كتبها الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم من أجل زكي مراد

ويواصل صلاح مبتسما كأنه يستدعي تفاصيل الليلة ويري زكي مراد أمامه.. نفس الفتي الأسمر الذي اعتاد أن يرقص للحرية عندما يسمع صوت الموسيقي.

(اعتقل زكي مراد في يناير 1977)

لتضمه مرة أخري معتقلات مصر قرابة عام ونصف كان بيت المنيرة خلالها خلية نحل ومركزاً لأسر المعتقلين تعلق صفاء "أصبح البيت أشبه بلجنة إعاشة للمعتقلين كونتها أمي

( وعظيمة الحسينى) (ودلال وديد) (وزينات رزق) (وسهير توفيق) (وزينب الخضري) وتحكي عن واقعة ذهاب والدتها ومعها صديقتها عظيمه الحسيني إلي جمعية استهلاكية وشجارهما مع مدير الجمعية لشراء مائة كيلو سمك للمعتقلين، فقد كان الشراء وقتها وفقا لكميات محددة واستطاعتا إدارة المعركة والحصول علي ما يريدانه وإعداده في بيت المنيرة كوليمة للمعتقلين

 وتحكي أيضا عن بيض شم النسيم الذي كانت تقوم خالتها رسامة الكاريكاتير برسم رسومات كاريكاتيرية تعبر عن شخصيات المعتقلين ليحصل كل واحد علي بيضة شم نسيم خاصة

رحيل زكي مراد

مر عام 1979 علي عائلة زكي مراد بين ميلاد وموت، في 3 أغسطس ولدت الابنة الصغري صابرين في بيت كامب شيزار بالإسكندرية، الذي كانت تقضي فيه العائلة شهور الصيف الثلاث كل عام، وكان يمتلئ أيضا بالصحبة والرفاق.. تحكي صفاء كنا جميعا بما فينا أمي في غاية الضيق لأن عمر والدي آنذاك كان اثنين وخمسين عاما، إلا أن أبي كان فرحاناً بشكل غير عادي، وأصر أن يكون اسمها صابرين حتي تصبر علي ما سيأتي، وكأنه يعرف أنه لن يعيش معها طويلا" وكانت قصيدته لها "صابرين نجمة أغسطس" آخر قصائده، وهو الشاعر الذي صدر له ديوانان "سرب البلشون، قصائد مصرية نشيد الأناشيد".

لم تمر أربعة أيام حتي تم اعتقاله لسبب لا يعرفه هو نفسه، تعلق صفاء "قال بعد خروجه إنه في كل مرة اعتقل فيها كان يعرف السبب إلا في هذه المرة، وعلق بأنه سيفعل ما يستحق الاعتقال، لكنني أعتقد أن السبب الرئيسي هو خطبته الشهيرة التي ألقاها

في عيد ميلاد  (حزب التجمع) الثالث في أبريل 1979والتي دعا فيها إلي تأسيس جبهة وطنية ثم قضي شهوره الأربع الأخيرة في المعتقل وخرج ليقيم حفلة كبيرة للاحتفال بعيد ميلاد زوجته وعيد ميلاد الفنانة بسمة ابنة أحمد السيد حسن ونولا درويش وحفيدة المناضل يوسف درويش وكأنما أراد زكي مراد وداع الحياة بصحبة لأصدقاء والعائلة.

في 18 ديسمبر 1979 (رحل زكي مراد) في حادثة بطريق مصر الإسكندرية يروي صلاح تفاصيل الحادث بالقول

كنا جميعا في بيت المنيرة حين جاءنا الخبر واختل توازن الشـارع الذي نسـكن به توافد إلي البيت رجالا يصعب حصرهم الكل يبكي رحل عملاق مصر الأسمر الكل يتسـاءل هـل هـي حادثة طبيعية أم جريمة اغتيال؟؟".

بعد الرحيل

بعد وفاته أصرت (فتحية سيد أحمد) أن يظل بيت المنيرة مركزاً لتجمع العائلة والأصدقاء، وظلت الحفلات التي حرص زكي مراد علي إقامتها كما هي

 استمرت عضوا ناشطا (بلجنة الحريات في حزب التجمع) وعضوا مؤسسا للاتحاد النسائي ولم تنس مسئوليتها تجاه أولادها خاصة الابنة الصغري صابرين التي كانت مصابة بضمور في العصب السمعي وكان من المفترض أن تظل مرتدية سماعة طوال حياتها إلا أن الأم حاربت لتتعلم الابنة التخاطب بصورة طبيعية تماما وتنمي موهبتها في الرسم

لم يتغير نظام البيت إلا( بعد اعتقالها) في مارس عام 1981 مع (فريدة النقاش) (وشاهندة مقلد) بتهمة الانضمام

 (لتنظيم شيوعي) وتم الافراج عنها آنذاك علي ذمة القضية تعلق صفاء كان عمري 16 عاما وصلاح 15 عاما ومحمد بلغ سنته العاشرة وصابرين لم تتعد العامين وظلت أمي في المعتقل ثلاثة أشهرعلمتني خلالها أصغر شقيقات والدتي كيف أتحمل مسئولية أخوتي وهذا ساعدني حين اعتقلت أمي للمرة الثانية علي تحمل المسئولية بمفردي. كان قد صدر ضدها حكم قضائي عام 1986 سنة مع الشغل، وتعد تلك أول مرة يصدر فيها حكم سياسي ضد امرأة في مصر، ومع هذا صدق عليه رئيس الجمهورية عام 1989، وكان بيده عدم تنفيذه إذا أراد، علي الأقل مراعاة لظروف أسرة بلا أب.. لكنه بالطبع لم يفعل". أشارت صديقة عليهم أن يتركوا بيت المنيرة ويقيموا عند احد اقاربهم لكنهم رفضوا تماما كانت صفاء قد تخرجت من كلية الحقوق جامعة القاهرة وبدأت تشق طريقها علي درب الوالد وكان صلاح قد تخرج في كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة عدن وعمل في بنك قبلها بعام، تحملا المسئولية وظل البيت الكبير مفتوحا

 وحتي بعد وفاة الأم استمرت الحياة في بيت المنيرة، تزوجت صفاء من دكتور منير مجاهد مدير محطة الضبعة النووية وانجبت لينا ومراد وانجب صلاح طفليه عمر ومنة تخرج محمد الشهير بميشو في كلية السياحة والفنادق ودرس تمثيل علي يد الفنان الراحل محمد توفيق، وعمل مساعد مخرج وممثلا صابرين أيضا تخرجت في قسم خزف بالثانوية الفنية والتحقت بدراسات حرة في كلية الفنون الجميلة، وتعلمت صناعة الزجاج المعشق، وأتقنت عمل بروفيل الوجوه علي الزجاج أري أمامي بروفيل (لنبيل الهلالي) معلقا علي الحائط المواجه لمكتب زكي مراد، تخبرني صفاء أن ابنتها لينا اختارت دراسة الحقوق في القسم الفرنسي الذي أنشأته جامعة السربون بكلية الحقوق جامعة القاهرة.. وتبتسم قائلة "إنه الجيل الثالث (سمر نور)

وقدتوفي المناضل والمحامي زكي مراد في عام 1979 عن عمر يناهز 52عاما سلاما لروحه