تعزيز الجيش المصري في سيناء: قراءة في الهواجس الإسرائيلية

profile
عبدالرحمن كمال كاتب صحفي
  • clock 2 أبريل 2025, 12:32:07 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
تعزيز الجيش المصري في سيناء

تشهد الأوساط البحثية والسياسية الإسرائيلية حالة من الترقب والقلق إزاء تكثيف الوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، وتطوير الجيش المصري لقدراته القتالية والتسليحية خلال السنوات الأخيرة. ويعكس هذا القلق، الذي عبّرت عنه دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، المخاوف من تحولات استراتيجية قد تؤثر على ميزان القوى في المنطقة.

مخاوف إسرائيلية من التعزيزات المصرية

تثير الدراسة الإسرائيلية تساؤلات حول "الدوافع" وراء عمليات التحديث العسكري المصري، وتربط بينها وبين احتمال استعداد مصر لسيناريوهات مواجهة مع إسرائيل. وتطرح الدراسة مزاعم بأن القاهرة تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية تحسبًا لـ"مناورة سريعة وهجوم مفاجئ" على إسرائيل، وهو ادعاء يفتقر إلى أدلة واضحة ويتجاهل المعطيات الحقيقية حول الاستراتيجية العسكرية المصرية التي تركز بالأساس على حماية الأمن القومي المصري ومواجهة التحديات الداخلية والإقليمية.

من وجهة نظر مصرية، فإن هذه التعزيزات تأتي ضمن رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي لتعزيز الأمن والاستقرار في البلاد، خاصة بعد التحديات التي أعقبت أحداث 2011 وما نتج عنها من تهديدات أمنية، أبرزها نشاط الجماعات المسلحة في شمال سيناء، وتصاعد التهديدات على مختلف الجبهات، سواء من ليبيا أو السودان أو قطاع غزة. وبالتالي، فإن هذه الإجراءات ليست موجهة ضد إسرائيل، بل تأتي في سياق استعادة الدولة المصرية لهيبتها وسيادتها على كامل أراضيها.

السياق الإقليمي والدوافع المصرية

ترصد الدراسة الإسرائيلية الخلفية التاريخية لصعود الرئيس السيسي، وتقدّم قراءتها الخاصة لأحداث 2013، حيث تصف تحركات الجيش المصري ضد جماعة الإخوان المسلمين بأنها جاءت ضمن معركة وجودية لحماية الدولة من التفكك. وتربط الدراسة بين هذه المرحلة وبين عمليات إعادة بناء الجيش المصري ليكون أكثر جاهزية لمهام الدفاع عن الأمن القومي.

كما تشير الدراسة إلى التحديات الإقليمية التي واجهتها مصر، بما في ذلك انهيار الدولة الليبية وانتشار السلاح على الحدود الغربية، وتصاعد الأزمات في السودان، إضافة إلى استمرار عمليات التهريب ونشاط الجماعات المسلحة في سيناء. ومن هذا المنطلق، فإن القاهرة ترى في تعزيز الجيش ضرورة لحماية سيادتها، وليس ضمن أي خطط هجومية.

تحديث التسليح والمناورات العسكرية

تستعرض الدراسة الإسرائيلية التحديثات التي شهدها الجيش المصري، مشيرة إلى أن القاهرة عمدت إلى تنويع مصادر تسليحها، بعد أن أدركت محدودية الاعتماد على الولايات المتحدة، خاصة بعد تعليق المساعدات العسكرية الأمريكية في 2013. وبناءً على ذلك، حصلت مصر على طائرات رافال من فرنسا، وغواصات وفرقاطات من ألمانيا، إضافة إلى تحديث قواعدها العسكرية.

كما تسلط الضوء على التدريبات المشتركة التي تُجريها مصر سنويًا مع العديد من الدول، معتبرة أن هذه التمارين تعزز من موقعها الإقليمي والدولي. لكن القراءة الإسرائيلية تتجاهل أن هذه التدريبات تأتي في إطار تكريس دور مصر كقوة إقليمية كبرى، وليس ضمن أي مساعٍ لاستفزاز إسرائيل.

تطوير سيناء: البعد الاقتصادي والاستراتيجي

تشير الدراسة إلى أن مصر ضخت استثمارات ضخمة في تطوير سيناء، حيث أنفقت نحو 600 مليار جنيه منذ 2014 على مشروعات البنية التحتية والاقتصاد، بما في ذلك إنشاء أنفاق قناة السويس، والقطار الكهربائي السريع، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما تسلط الضوء على السياسات الجديدة تجاه أبناء سيناء، والتي تهدف إلى دمجهم في النسيج الوطني وتعزيز استقرار المنطقة.

إلا أن الدراسة تُلمّح إلى أن هذه الجهود قد تكون غطاءً لتعزيز السيطرة العسكرية، متجاهلة حقيقة أن التنمية في سيناء ضرورة اقتصادية وأمنية، وليست مجرد تحرك عسكري. فمصر تدرك أن تنمية شبه الجزيرة هي السبيل الأمثل للقضاء على أي بؤر للتوتر والاضطرابات.

العلاقات المصرية الإسرائيلية: معاهدة السلام في الميزان

تحاول الدراسة التأكيد على التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل، معتبرة أن التعزيزات العسكرية لا تعني بالضرورة نوايا عدائية، وإنما تعكس مصالح مصر الأمنية. وتدعو إلى ضرورة استمرار التنسيق الأمني بين الطرفين، مشيرة إلى أن الحفاظ على السلام مع مصر يُعد مصلحة استراتيجية لإسرائيل.

وفي هذا السياق، تُحذّر الدراسة من أن العدوان على قطاع غزة قد يؤثر على استقرار العلاقات المصرية الإسرائيلية، خاصة في ظل التوترات التي رافقت العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع، والتصريحات العدائية التي أطلقها بعض المسؤولين الإسرائيليين تجاه مصر خلال الأشهر الأخيرة.

قراءة إسرائيلية مشوبة بالمخاوف

تعكس الدراسة الإسرائيلية حالة القلق التي تسيطر على دوائر صنع القرار في تل أبيب، في ظل إدراكها أن مصر، رغم التزامها بالسلام، لن تتوانى عن الدفاع عن أمنها القومي إذا ما اقتضت الضرورة. لكن في الوقت ذاته، تكشف القراءة الإسرائيلية عن محاولة لتأويل التحركات المصرية ضمن سياقات مشبوهة، وهو ما يعكس نظرة عدائية مستمرة تجاه أي محاولات عربية لتعزيز قدراتها الدفاعية.

من منظور مصري، فإن هذه التحليلات تتجاهل حقيقة أن القاهرة لا تزال ملتزمة بالسلام، لكنها في الوقت نفسه تعمل على بناء قوة تحمي مصالحها، دون الخضوع لأي ضغوط خارجية. فتعزيز الجيش المصري ليس موجهاً ضد أحد، وإنما يأتي ضمن رؤية استراتيجية للحفاظ على استقرار البلاد وحماية أمنها القومي في بيئة إقليمية مضطربة.
 

التعليقات (0)