اسلام البياري يكتب: قراءة قانونية حول قرار الجنائية الدولية بالقبض على الرئيس الروسي بوتين

profile
  • clock 23 مارس 2023, 5:57:37 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

أصدر قضاة الدائرة التمهيدية لدى المحكمة الجنائية الدولية قرار توقيف بحق شخصين في سياق الوضع بأوكرانيا، هما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والسيدة ماريا لفوفا بيلوفا مفوضة حقوق الطفل لرئيس الاتحاد الروسي.

وجهت المحكمة الجنائية الدولية وخاصة الدائرة التمهيدية بما فيها المدعي العام للمحكمة للرئيس الروسي بوتين تهمة جريمة الحرب الواردة بالمادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث تتمثل بقيام الرئيس الروسي بحثّ الجنود الروس على ارتكاب أفعال تدخل في دائرة الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 أغسطس/آب 1949.

تتمثل هذه الانتهاكات الجسيمة في انتهاكات بحق الأشخاص والممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة، كالترحيل غير القانوني للسكان والأطفال والنقل غير القانوني للسكان الأوكرانيين، وقيام دولة روسيا على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها وإبعاد ونقل كل سكان الدولة الأوكرانية أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.

نجد أن الدائرة التمهيدية استخدمت مصطلح "الاحتلال الروسي" في قرارها حول القضية المرفوعة أمامها من قبل دولة أوكرانيا، وخاصة حين تحدثت بقرارها بشكل واضح أن دولة روسيا قد ارتكبت جرائم الحرب في الأراضي المحتلة الأوكرانية على الأقل اعتبارًا من 24 فبراير/شباط 2022.

نجد أن الدائرة التمهيدية حاولت تحييد دولة روسيا بشكل كامل عن جرائم الحرب والحرب القائمة، وخاصة عندما أقرت أن الرئيس الروسي بوتين هو من يتحمل ذلك تحت طائلة المسؤولية الجنائية الفردية الوارد بالمادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ونجد أن المحكمة تريد التفريق بين الدولة الروسية والرئيس الروسي حتى لا تجعل الشعب الروسي والقيادة الروسية متضامنة مع الرئيس بوتين، بالتالي، ربما تهدف بهذا خلق فرص أن يكون هناك انقسام داخل المؤسسة والقيادة الروسية.

إثارة الدائرة التمهيدية لموضوع المسؤولية الجنائية الفردية للرئيس الروسي ليس بالأمر الجديد، حيث تم إقرار مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، ولم تظهر بصورة جلية إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية، كما تعتبر فكرة المسؤولية الجنائية الفردية حديثة النشأة ربما مقارنة بالمسؤولية الدولية المدنية.

هذا الأمر لا يفسر أن المحكمة الجنائية الدولية لم تكن لديها محاولات قبل الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا، ولكن مبدأ المسؤولية الجنائية للفرد، وعدم الاعتياد بصفته الرسمية مهمة جدا في عدالة القضاء الجنائي الدولي.

لكن ما دور أحكام المحاكم الدولية الجنائية المنشأة سابقا في إرساء قواعد هذا المبدأ، وصولا للمحكمة الجنائية الدولية، حتى تبقي على المسؤولية الفردية للرئيس الروسي! هل الهدف من ذلك القرار عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب!

لو كان ذلك صحيحا فهناك من قدم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب جريمة الحرب أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها، رغم أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يتحدث بصراحة عن الشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضة للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تماما وبمحض إرادته عن الغرض الإجرامي.

ولكنني أستغرب من أن الدائرة التمهيدية أرادت أن يكون المتهم الرئيسي فقط هو الرئيس الروسي الذي يجب أن يتحمل المسؤولية الفردية الجنائية وأغفلت عن الفقرة الأخيرة من المادة 25 فقرة 4 حول مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي حول جرائم الحرب؟

لذلك أعتقد أن قرار الدائرة التمهيدية يريد أن يُبقي على المسؤولية الجنائية الفردية للرئيس الروسي. بالرجوع لدور محكمة العدل الدولية حول المسؤولية الدولية حول الحرب الروسية والأوكرانية بعيدا عن المحكمة الجنائية الدولية، نجد أن مساهمتها كانت في تفسير وتطوير نظام المسؤولية الدولية والحقوق المتصلة بها من كونها الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، وفي كل ما صدر عنها من أحكام قضائية في منازعات الدول، وفي فتاوى أو آراء استشارية بشأن مسائل قانونية للمنظمات الدولية التي لها حق طلب الفتوى أو الرأي الاستشاري.

 

لذلك يمكن القول:

  • أولاً أن محكمة العدل الدولية قد اعتمدت نظاما للمسؤولية الدولية كنظام المسؤولية المدنية (العقدية والتقصيرية) في إطار القانون الخاص في المجال الداخلي، حيث المنازعات الدولية عندها وبموجب نظامها الأساسي، منازعات تعويض وليس منازعات عقاب أو مسؤولية جنائية، بالتالي تركت المجال الجنائي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يمكن اعتبار أن المسؤولية الدولية في عملها وبموجب نظامها الأساسي مسؤولية مدنية دولية.
  • ثانيًا: طبقت المحكمة في إطار نظام المسؤولية الدولية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة بوصفها مبادئ وقواعد للقانون الدولي العرفي أيضا.
  • ثالثًا: ميزت المحكمة بين الحكم بعدم الاختصاص وبين تحمل طرف ما تبعة المسؤولية الدولية، وبمعنى أن الحقوق لا تذهب هدرا حول الحرب الأوكرانية الروسية، وأن الدولة المعتدية لا تعفى من المسؤولية عن أفعالها، وليس لأحد أن يضفي المشروعية على أفعال أو أوضاع غير مشروعة.

لذلك في خاتمة هذا المقال أوضح أن الدائرة التمهيدية أرادت إثارة المسؤولية الكاملة للدولة الروسية في مرحلة لاحقة وليس الآن، حتى تخلق انقساما قانونيا وسياسيا داخل الأوساط الدولية والروسية، تدفع بها -ربما- للضغط على بوتين والأوساط الروسية بإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، أو ربما لديها معلومات أننا نقترب من حرب شاملة قائدها الرئيس الروسي؛ لذلك قررت المحكمة الجنائية الدولية وقفها قبل أن تبدأ من خلال إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي.

ويبقى السؤال الجوهري الذي أود طرحه في هذا المقال: كيف ستتعامل الدول الأطراف والدول غير الأطراف بالمحكمة الجنائية الدولية مع مذكرة التوقيف! هل ستقوم المحكمة الجنائية الدولية باللجوء للدول الأطراف ومجلس الأمن الدولي للضغط على الدول لاعتقال الرئيس الروسي؟ أعتقد أن الأيام المقبلة سوف تكون المحكمة الجنائية الدولية في اختبار حقيقي.


  •  

التعليقات (0)