كيف يبلور اجتماع عمّان التشاوري رؤية عربية لمسار سياسى جديد تجاه سوريا؟

profile
  • clock 5 مايو 2023, 7:07:16 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

يمكن تصنيف اجتماع عمّان التشاورى على أنه بداية مسار عربى جديد للتعامل مع سوريا، يتخذ من الحلول الجزئية والتدرج آليتين فى التعامل مع إشكالية عودة سوريا لعمقها العربى من ناحية، وطرح رؤى جديدة للتسوية السياسية لأزمتها من ناحية ثانية.

هكذا خلص تقرير مركز "الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، تعليقا على الاجتماع التشاوري الذي عقد في عمّان الأسبوع الماضي، بمشاركة وزراء خارجية كل الأردن والسعودية والعراق ومصر والنظام السوري، وبحث سُبل عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وبسط النظام السوري سيطرته على الأراضي السورية.

جاء هذا الاجتماع بعد آخر عقدته دول مجلس التعاون الخليجي في جدة، في أبريل/نيسان الماضي، وشاركت فيه أيضا مصر والعراق والأردن للبحث في مسألة عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

واتفق الوزراء في اجتماع جدة على أهمية تأدية دور قيادي عربي في الجهود الرامية لإنهاء الأزمة في سوريا.

وعقب الاجتماع بأيام، زار وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان دمشق، في أول زيارة رسمية سعودية إلى سوريا منذ القطيعة بين الدولتين مع بدء النزاع في سوريا قبل 12 عاما.

وهذه المسارات، اتخذت وتيرة متسارعة منذ أحداث الزلزال الذى تعرضت له مناطق الشمال السورى خلال فبراير/شباط الماضى، حيث فرضت التداعيات الإنسانية لهذه الكارثة الطبيعية نمطاً من التفاعل الإيجابى بين الدول العربية والنظام السورى، ما اعتبره البعض استكمالاً لمسار عربى للتفاعل مع الأزمة السورية من منطلقات جديدة ومختلفة فرضتها تطورات الأحداث الإقليمية والدولية على مدار العام ونصف العام الماضيين

اجتماع عمان، وفق التقرير، في مضمونه العام يهدف إلى رسم "خريطة عربية" جديدة للتعامل مع دمشق في ضوء التطورات الدولية والإقليمية خلال العامين الماضيين، على كافة الأصعدة الإنسانية والسياسية والأمنية والاقتصادية، لاسيما فى مجالات العودة الطوعية للاجئين السوريين وتهيئة الأجواء عبر الحكومة السورية لهذه العودة، وضبط الحدود لمنع تهريب المخدرات إلى دول الجوار.

واستهدف الاجتماع إنشاء آليات تنسيق فعالة بين الأجهزة العسكرية والأمنية السورية ونظيراتها فى الدول المجاورة لضبط أمن الحدود، واستمرارية فتح المعابر أمام دخول المساعدات الإنسانية الدولية واستمرار مسارات التعافى المبكر.

لكن يبدو الاجتماع في تفاصيله الدقيقة، حسب التقرير، وكأنه محاولة جديدة لرسم خطوط التفاعل العربي مع النظام السوري على قاعدة "خطوة مقابل خطوة "، أى البحث عن خطوات سورية مقابلة لتلك الخطوات الإيجابية التى أبدتها الدول العربية تجاه النظام مؤخراً.

ويضيف: "هذا يعنى أن الدول العربية، أو بعضها، ترى أن تحركات النظام السورى تجاه حالة التقارب العربي لا تزال بعيدة عن المستوى المطلوب، الأمر الذى يحمل تكهنات عديدة بشأن انعكاسات حالة الحذر التي يبديها النظام في دمشق تجاه وتيرة التقارب السريعة التي تبديها الدول العربية معه، وهي الحالة نفسها التي تضع مسار عودة العلاقات السورية مع العالم العربى، عبر بوابة استعادة سوريا لمقعدها في جامعة الدول العربية خلال القمة المقبلة على المحك".

هذا الأمر الذى يفرض تساؤلات بشأن طبيعة توجهات دمشق حيال التقارب العربى خلال الأيام المقبلة، التي تستبق انعقاد القمة العربية في السعودية يوم 19 مايو/أيار الجاري.

الأمر نفسه على الجانب السورى، حيث يقول التقرير: "ثمة تحفظات حيال خطوات التقارب العربية، تنطلق من تصور أن دمشق وإن كانت ترى في التقارب العربي وعودتها إلى آلية العمل العربي المشترك عبر الجامعة العربية انتصاراً لنظامها في مواجهة تداعيات 12 عاماً من أزمتها السياسية".

ويضيف: "لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تكون هذه العودة "مشروطة" أو متعلقة بطبيعة تفاعلاتها مع القوى الإقليمية في المنطقة، وهو ما يعنى أن وتيرة التقارب العربية السريعة مع دمشق تقابلها الأخيرة بحالة من الجمود أو التأني في الرؤية لنمط هذا التقارب ومتطلباته، الأمر الذى انعكس بوضوح فى تصريحات وزير الخارجية العراقى فؤاد حسين، حينما قال إن الاجتماع توصل إلى تفاهمات جديدة بشأن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، مضيفاً أن هذه العودة تحتاج إلى قرار وفقاً لآلية عمل الجامعة".

ويعلق التقرير على ذلك بالقول: "يفترض هذا أن اجتماع عمان التشاوري كان هدفه استبيان موقف النظام السورى من جملة متطلبات تسعى بعض الدول العربية الفاعلة إلى أن تأخذها دمشق بعين الاعتبار، وأن تعلن موقفها منها قبل اجتماع جامعة الدول العربية المقبل، لاسيما أن اجتماع جدة لم يتوصل إلى توافق يقضى بعودة محتملة لسوريا إلى الجامعة العربية".

وتأتي في مقدمة الشروط أو المتطلبات التي أقرها اجتماع عمّان التشاورى، بشأن عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ضرورة إنهاء وجود الميليشيات الإيرانية المسلحة من ناحية، وتحديد موقف دمشق من حالة التغيير الديموغرافي واسعة النطاق التي تقوم بها هذه الميليشيات داخل المحافظات السورية من ناحية أخرى، وتحييد دور هذه الميليشيات فى تهديد الأمن الإقليمي من ناحية ثالثة.

هذا بالإضافة إلى اتخاذ خطوات إيجابية حيال تحقيق المصالحة الوطنية بين أطياف المجتمع السياسى السورى. إلى جانب العمل على استئناف أعمال اللجنة الدستورية السورية المشتركة، وفق التقرير.

يشار إلى أن هناك حالة من الترقب التي يتعامل بها النظام السورى مع حالة التقارب العربي لا تتماشى واقعياً مع احتياجه الشديد للعودة إلى العمق العربي، لأن هذه العودة تعد ضرورة وهدف تفرضهما حقيقة واقعية، وهي احتياجه الفعلي إلى الفرص الناتجة عن حالة التقارب العربي لتوظيفها في الخروج من الحصار الاقتصادى المفروض عليه من ناحية، واتخاذها وسيلة لإنهاء العزلة السياسية الدولية التي يعانى منها من ناحية ثانية.

ويتابع التقرير: "قدم اجتماع عمّان التشاورى رؤية عربية يمكن اعتبارها خارطة طريق لبلورة موقف عربي واضح من التطبيع مع النظام السورى، وبلورة دور جديد في حل الأزمة السورية عبر المبادرة الأردنية التي تعتمد التوصل إلى حل سياسي بشأن الأزمة السورية انطلاقاً من المرجعيات الدولية، وقرار مجلس الأمن الدولى رقم 2254".

ويزيد: "هذا الحضور العربي التنسيقي يقدم فرصاً مواتية للأخير تمكنه حال انتهازها، من دعمه في فرض سيادته على أراضيه، وفي الوقت نفسه موازنة دور القوى الإقليمية غير العربية التي لها وجود عسكرى واضح في سوريا، وهما إيران وتركيا".

ويستطرد: "هذا سيؤدي إلى عدم تفرد تلك القوى، إلى جانب روسيا والولايات المتحدة، بالحل السياسي المأمول بشأن الأزمة السورية، خاصة أن التفاعل العربي الجديد بشأن الملف السوري يتخذ مساراً مختلفاً عن حالته التى كان عليها من قبل".

في الوقت نفسه، تسعى الدول العربية حسب التقرير، ومن خلال تأكيدها على أهمية التوصل لحل سياسى ينهى الأزمة السورية عبر المرجعيات الدولية، إلى عدم التصادم مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي لا تزال ترى أن النظام السوري لم يقم بخطوات إيجابية فاعلة فى مسار الحل السياسي، وتراقب ما ستفضى إليه حالة التقارب العربى مع النظام السوري، لاسيما الشراكات الاقتصادية المحتملة بشأن إعادة الإعمار، ومدى تعارضها مع العقوبات المفروضة عليه خاصة "قانون قيصر".

ويشير التقرير إلى أن آلية العمل العربي التشاوري المتتالية بشأن التقارب مع النظام السوري يبدو أنها لن تتوقف حتى في حال تأخر عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وهو ما يساهم فعلياً في ديمومة التفاعل العربي – ولو جزئياً – مع تطورات الأزمة السورية.

ويضيف: “هذا الاستمرار يمثل خصماً بالضرورة من رصيد القوى الإقليمية غير العربية الموجودة عسكرياً داخل الأراضى السورية، وتحديداً الدور الإيرانى القوى فى الداخل السورى”

ووفق التقرير، يتطلب مسار هذه الاجتماعات، وربما يشترط أن تقابل دمشق حالة الانفتاح العربى تجاهها بحالة تقارب مماثلة تعتمد على آلية "خطوة مقابل خطوة"، التى لا تعنى بالضرورة "تسوية عربية شاملة " مع النظام السورى.

لكنها فى الوقت نفسه، وفق التقرير، تتيح مجالاً للتشاور، ومن ثم التفاوض حول العودة السورية للجامعة العربية ومتطلباتها المباشرة، وما قد يترتب على هذه العودة من نتائج إقليمية ودولية خلال الفترة المقبلة.

وكانت دول عربية عدة، أغلقت سفاراتها وسحبت سفراءها من سوريا، احتجاجا على تعامل النظام السوري عام 2011 مع "انتفاضة شعبية" تطورت إلى نزاع دامٍ دعمت خلاله السعودية وغيرها من الدول العربية فصائل المعارضة السورية.

وعلقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا لديها في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

لكن خلال السنتين الماضيتين تتالت مؤشرات التقارب بين دمشق وعواصم عدة، بينها أبوظبي التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية، والرياض التي أجرت محادثات مع دمشق حول استئناف الخدمات القنصلية بين البلدين.

وقبل ذلك، شهدت العلاقات الثنائية مع النظام السوري انفتاحا ملموسا دشنته الإمارات قبل أن تأخذ به السعودية ومصر وتونس والعراق والأردن، حيث أصبحت زيارات كبار المسؤولين ولقاءاتهم مع الأسد، جزءا من مشهد سياسي جديد، يسعى إلى وقف تداعيات الأزمة الإنسانية على الأقل ويشق الطريق لبناء أرضية لتسوية سياسية تحفظ لسوريا أمنها ووحدتها وسيادتها.

كلمات دليلية
التعليقات (0)