-
℃ 11 تركيا
-
3 أبريل 2025
فؤاد بكر يكتب:الخبز المحاصر بالنيران: احتجاجات غزة محقة وغرف سوداء تحرف الحقائق
فؤاد بكر يكتب:الخبز المحاصر بالنيران: احتجاجات غزة محقة وغرف سوداء تحرف الحقائق
-
2 أبريل 2025, 1:37:41 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
مقدمة:
في غزة، لم يعد الخبز مجرد طعام يسد الجوع، بل تحول إلى حلم بعيد المنال، وقضية حياة أو موت. كيف لشيء بسيط كالرغيف أن يصبح رمزًا للصمود؟ كيف لانتظار الخبز أن يكون معركة يومية يخوضها الأطفال والنساء والشيوخ بعيون يملؤها الخوف والتعب؟ في زوايا الشوارع المحطمة، يصطف الناس في طوابير طويلة، ليس فقط بحثًا عن القوت، ولكن بحثًا عن كرامتهم المهددة تحت وطأة الحصار والجوع.
سياسة التجويع الإسرائيلية لم تترك بيتًا في غزة إلا وألقت بظلالها القاتمة عليه. ليس الجوع وحده هو ما يفتك بالناس، بل الإحساس بالخذلان، بالخذلان من عالم صامت يرى الخبز يتحول إلى عملة نادرة ولا يحرك ساكنًا. هذا ليس مجرد نقص في الغذاء، بل هو حرب نفسية تستهدف كسر الإرادة، وكأن الاحتلال لم يكتفِ بالقصف والتدمير، فقرر أن يجعل الجوع سلاحًا آخر في معركته ضد الحياة في غزة.
ومع ذلك، وسط كل هذا الظلام، يبقى هناك ضوء ينبعث من أيدي الأمهات اللاتي يعجنّ الطحين القليل المتبقي، ومن عيون الأطفال الذين يحلمون برغيف ساخن يملأ بطونهم الخاوية، ومن إرادة شعب لا يزال يقاتل ليعيش.
وفي اطار ذلك، خرجت احتجاجات شعبية في قطاع غزة للمطالبة بإنهاء الحرب ورفع الحصار الشامل عن غزة، بعد ان استأنفت اسرائيل عدوانها في 18 اذار 2025، ومنعت ادخال المساعدات الى قطاع غزة، وخرقت اتفاقية وقف اطلاق النار المبرمة في الدوحة في 18 كانون الثاني 2025، وهنا ما يطرح السؤال، كيف تعاملت كل من اسرائيل، السلطة الفلسطينية، وحركة حماس مع هذه الاحتجاجات؟
الأهداف الاسرائيلية من سياسة التجويع
تتبنى إسرائيل سياسة التجويع ضد سكان قطاع غزة كأداة للضغط على المقاومة الفلسطينية وإضعاف قدرتها على الصمود، حيث تسعى من خلال فرض الحصار الخانق إلى إحداث انهيار اجتماعي واقتصادي يؤدي إلى تفكيك النسيج المجتمعي وزيادة الفوضى الداخلية. كما تهدف هذه السياسة إلى دفع السكان نحو التهجير القسري عبر خلق ظروف معيشية غير محتملة، ما يخدم المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة. إضافة إلى ذلك، تستخدم إسرائيل الأزمة الإنسانية المتفاقمة كورقة ضغط في الساحة الدولية، سواء لتحقيق مكاسب تفاوضية أو فرض حلول سياسية تتماشى مع مصالحها. علاوة على ذلك، تسعى إلى كسر الروح المعنوية للسكان من خلال تجريدهم من أبسط مقومات الحياة، في محاولة لفرض واقع جديد يضمن سيطرتها على المنطقة على المدى البعيد. وتعد هذه الممارسات شكلًا من أشكال العقاب الجماعي المحظور دوليًا، حيث تصنَّف جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي الإنساني، لكنها لا تزال مستمرة في ظل غياب محاسبة دولية فاعلة.
القانون الدولي وسياسة التجويع
يُصنّف القانون الدولي سياسة التجويع كجريمة حرب وانتهاك جسيم لحقوق الإنسان، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين في أي نزاع مسلح. وتنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على حظر تجويع السكان المدنيين كأسلوب حرب، ومنع تدمير أو تعطيل الموارد الأساسية للحياة، مثل الغذاء والمياه والمحاصيل الزراعية. كما يؤكد القانون الدولي الإنساني أن فرض الحصار أو القيود التي تمنع وصول المساعدات الإنسانية الأساسية يُعد جريمة يعاقب عليها، خاصة إذا كان الهدف منها إلحاق الضرر بالسكان المدنيين.
وفي هذا السياق، تُعتبر المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن سياسة التجويع جريمة حرب إذا تم استخدامها عمدًا لإبادة السكان أو الضغط عليهم سياسيًا أو عسكريًا. وبموجب هذه القوانين، فإن أي دولة أو جهة تنفّذ سياسات تؤدي إلى حرمان المدنيين من الغذاء والمياه والمساعدات الطبية يمكن أن تُحاسب أمام المحاكم الدولية. ومع ذلك، يواجه المجتمع الدولي تحديات كبيرة في فرض العقوبات والمحاسبة، حيث تعيق المصالح السياسية نفاذ القانون على أرض الواقع، ما يسمح باستمرار هذه الانتهاكات دون رادع حقيقي.
ردة الفعل الشعبية ضد سياسة التجويع
على الرغم من الظروف القاسية التي فرضتها سياسة التجويع الإسرائيلية، أظهر سكان قطاع غزة قدرًا هائلًا من الصمود والتحدي في مواجهة هذه الحرب غير المباشرة على حياتهم اليومية. فقد لجأ الفلسطينيون إلى آليات تكيف مجتمعية، مثل تبادل الغذاء بين العائلات، وتعزيز التكافل الاجتماعي، والاعتماد على الزراعة المنزلية في محاولة لتخفيف آثار الحصار. كما برزت حملات شعبية وإغاثية يقودها متطوعون ومنظمات محلية لتوزيع المساعدات وتقديم الدعم للعائلات الأكثر تضررًا.
في المقابل، لم تقتصر ردة الفعل على التكيف فقط، بل تجلّت في احتجاجات ومظاهرات داخل القطاع وخارجه، تطالب المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لإنهاء الحصار ووقف الانتهاكات الإسرائيلية. وعلى الرغم من القمع الذي يواجهه الفلسطينيون، إلا أن هذه التحركات الشعبية تعكس رفضًا قاطعًا لسياسات التجويع ومحاولات كسر إرادتهم. كما أن هذه المعاناة لم تمنعهم من الاستمرار في مقاومة الاحتلال، حيث تحولت الأزمة إلى دافع لتعزيز الوحدة الداخلية، وتأكيد أن سياسة التجويع لن تنجح في تحقيق أهدافها.
الغرف السوداء وراء حرف الاحتجاجات عن مقصدها
في ظل الاحتجاجات الشعبية ضد سياسة التجويع المفروضة على قطاع غزة، برزت محاولات خفية لحرف هذه المظاهرات عن مسارها الحقيقي، وذلك عبر ما يُعرف بـ "الغرف السوداء"، وهي جهات تعمل في الخفاء لتوجيه الأحداث بما يخدم أجندات معينة. تستخدم هذه الجهات أساليب التضليل الإعلامي، والاختراق الداخلي، وإثارة الفوضى بهدف تشويه الحراك الشعبي وإضعاف تأثيره.
حيث تعتمد الغرف السوداء على نشر الإشاعات وبث الخلافات بين المشاركين، مما يؤدي إلى فقدان التركيز على الهدف الأساسي وهو رفع الحصار ومواجهة سياسة التجويع. كما تلجأ إلى افتعال أعمال عنف محدودة لإعطاء ذريعة لقمع المظاهرات، وتحويلها من احتجاجات مشروعة إلى مشاهد من الفوضى تخدم روايات الاحتلال أو بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الأوضاع الراهنة.
وعلى الرغم من هذه المحاولات، يبقى وعي الشعب الفلسطيني وإصراره على وحدة الهدف هو السلاح الأقوى في إفشال مخططات الغرف السوداء، حيث يدرك المتظاهرون أهمية الحراك الشعبي في إيصال معاناتهم إلى العالم، وعدم السماح لأي طرف خارجي بتشويه نضالهم العادل.
استغلال إسرائيل للاحتجاجات
تحاول إسرائيل استغلال الاحتجاجات الشعبية في قطاع غزة لصالحها، سواء عبر استخدامها كذريعة لمواصلة سياساتها القمعية أو عبر تعزيز الانقسامات الداخلية الفلسطينية. فمن خلال الآلة الإعلامية الإسرائيلية، يتم تصوير هذه الاحتجاجات على أنها حالة من الفوضى والصراع الداخلي، بهدف تبرير استمرار الحصار والإجراءات العقابية ضد السكان، والترويج لفكرة أن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم دون تدخل خارجي.
كما تستفيد إسرائيل من أي انحراف في مسار المظاهرات، سواء عبر أعمال الشغب أو العنف المدبر، لتبرير استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، وتحويل الأنظار عن جرائمها بحق المدنيين. إضافة إلى ذلك، تحاول تأجيج الخلافات الداخلية عبر دعم بعض الأصوات التي تهاجم فصائل المقاومة أو تروج لخطاب التقسيم، مما يعزز حالة الانقسام الفلسطيني.
ومن ناحية أخرى، تستخدم إسرائيل هذه الاحتجاجات كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية، سواء لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي عبر الادعاء بأنها ليست المسؤولة الوحيدة عن معاناة الفلسطينيين، أو لإيجاد مبررات لفرض حلول أمنية جديدة تخدم أهدافها الاستراتيجية في غزة. ولكن رغم هذه المحاولات، يبقى الوعي الشعبي الفلسطيني هو الحاجز الأكبر أمام الاستغلال الإسرائيلي، حيث يدرك الناس أن قضيتهم الأساسية هي مواجهة الاحتلال وسياساته القمعية، وليس الانجرار إلى صراعات داخلية تخدم سياسة الاحتلال الاسرائيلي.
السلطة الفلسطينية والاحتجاجات
يثير دور السلطة الفلسطينية في حرف مسار المظاهرات داخل قطاع غزة جدلًا واسعًا، حيث تُتهم بعض أجهزتها بالمشاركة في توجيه الأحداث بما يخدم أجندات سياسية معينة. وتُتهم السلطة باستخدام الأدوات الأمنية والإعلامية لخلق حالة من الإرباك الداخلي، من خلال تسريب معلومات مضللة، وإثارة الخلافات بين المحتجين، وحتى دفع بعض العناصر لإثارة الفوضى، مما يؤدي إلى تشويه صورة الحراك الشعبي وإضعاف تأثيره.
وكما يُقال إن بعض الجهات المرتبطة بالسلطة الفلسطينية تنسق بشكل غير مباشر مع جهات إقليمية ودولية لضبط إيقاع الاحتجاجات، بحيث لا تتحول إلى تهديد مباشر لمصالحها السياسية. وفي بعض الحالات، يتم استغلال الوضع الاقتصادي الصعب لفرض أجندات خاصة، سواء عبر تقديم تسهيلات محدودة للضغط على فصائل المقاومة، أو عبر تعطيل أي حراك قد يُضعف موقف السلطة أمام المجتمع الدولي.
ومع ذلك، فإن الوعي الشعبي الفلسطيني يبقى عنصرًا حاسمًا في كشف هذه المحاولات وإفشالها، حيث يدرك المتظاهرون أن أي انحراف عن الهدف الأساسي، وهو مقاومة الاحتلال ورفع الحصار وإنهاء سياسة التجويع، يصب في مصلحة الأطراف التي تسعى إلى إبقاء الانقسام الفلسطيني قائمًا.
كيف تعاطت حماس مع الاحتجاجات؟
تعاملت حركة حماس مع الاحتجاجات التي خرجت في قطاع غزة ضد سياسة التجويع بشكل معقد. من جهة، هناك من يرى أن حماس حاولت تهدئة الأوضاع من خلال تقديم بعض الحلول الاقتصادية المحدودة. وفي بعض الحالات، تم اتخاذ خطوات للحد من تأثير الحصار وتقديم مساعدات إنسانية أو اقتصادية، ولكنها كانت غالبًا غير كافية مقارنة بالحاجة الفعلية للمواطنين.
من جهة أخرى، هناك من يعتقد أن حماس استخدمت القمع والضغط على المحتجين عندما أدركت ان هناك محاولة من الغرف السوداء لحرف الاحتجاجات عن مقصدها ضد سياسة التجويع واستغلاله من قبل اسرائيل لتحويله ضد المقاومة الفلسطينية، وخاصة عندما مست هذه الاحتجاجات بالشرعية أو بالنظام السياسي القائم. وفي بعض الأحيان، تم استخدام الأجهزة الأمنية للحد من الاحتجاجات أو تفريقها بالقوة مما أثار انتقادات واسعة على المستوى المحلي والدولي. بالنتيجة ان حماس تواجه صعوبة في الموازنة بين التعامل مع الضغط الشعبي الذي يواجه التجويع وبين الاستمرار في المقاومة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، مما يترك المواطن الغزي في وضع صعب بين احتجاجات لوقف الحرب وعواقب سياسية اجتماعية.
خاتمة:
ان هدف المظاهرات هو انهاء الحرب وسياسة التجويع الاسرائيلية في قطاع غزة، وليس وقوفا ضد المقاومة الفلسطينية، كما حاولت الغرف السوداء التسويق لذلك، لاسيما بعدما ادرك الجميع ان الفصائل الفلسطينية قد اتفقت على حكومة وفاق وطني، وسعت بشكل دائم الى انهاء الابادة الجماعية.
يبقى التكاتف الاجتماعي وانهاء الانقسام الفلسطيني هو العامل الاهم للتصدي للمخططات الاسرائيلية وذلك من خلال تنفيذ اعلان بكين بكل بنوده وعدم تجاوزه او استحداث بديل عنه. وعندما روج الاعلام الاسرائيلي ان الاحتجاجات كانت ضد حركة حماس، فهذا يصب ضدها وليس معها، الامر الذي يدل على ان ليس كل الفلسطينيين في قطاع غزة ينتمون الى حركة حماس، فلماذا يتم تجويع كل سكان غزة واستهدافهم جميعا؟










