-
℃ 11 تركيا
-
4 أبريل 2025
د. سنية الحسيني تكتب: هل سينجح ترامب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة؟
د. سنية الحسيني تكتب: هل سينجح ترامب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة؟
-
3 أبريل 2025, 12:17:52 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأحد الماضي عدم استبعاده الترشح لولاية رئاسية ثالثة. ورغم أن الفكرة ليست جديدة، فقد طرحها سابقاً، سواء جاء ذلك في سنوات سابقة، أو خلال التجمعات والخطابات بين أنصاره مؤخراً، إلا أن تلك التصريحات لم تأخذ طابعاً جدياً كما تأخذه اليوم. فقد جاءت تلك تصريحات الأخيرة لترامب متقاطعة مع تصريحات أخرى من قبله ومقربين منه حول وجود وسائل تضمن تحقيق تلك الغاية. ويتعارض الوصول لولاية رئاسة ثالثة في الولايات المتحدة مع نص الدستور، الذي حصر ذلك بولايتين رئاسيتين كحد أقصى. كما تأتي أيضاً تصريحات ترامب حول الولاية الثالثة هذه المرة في ظل الاجراءات التي تتخذها إدارته منذ وصولها للسلطة، والتي تقيد الحريات، وتحيد المعارضين، الأمر الذي يضاعف من خطورتها، ويعزز فرص حدوثها.
لم يستبعد ترامب الترشح لولاية رئاسية ثالثة في تصريح له انتشر بشكل واسع يوم الأحد الماضي لشبكة إن بي سي نيوز الأميركية خلال برنامج "واجه الصحافة"، مع مقدمة البرنامج كريستين ويلكر. قال ترامب: "أنا لا أمزح، بشأن الترشح لولاية ثالثة"، وهي المرة الأولى التي يشير فيها ترامب إلى ذلك بتلك الجدية. أشار ترامب إلى ذلك من قبل عدة مرات خلال لقاءاته وخطابته لأنصاره، ولكن في إطار غير جدي. ففي كانون أول الماضي صرح ترامب لمؤيديه أنه "سيرأس البلاد لثلاث أو أربع مرات"، قبل أن يعتبر ذلك مزحة. وخلال تجمع انتخابي قبل فوزه في الانتخابات الأخيرة أشار إلى الولاية الرئاسية الثالثة على أساس أنها يمكن أن تمثل "تعويضاً" عن التحقيق معه حوّل التدخل الروسي. وفي العام ٢٠١٨ أشار ترامب إلى ولاية الرئيس الصيني شي جين بينغ المفتوحة وقال مازحاً: "ربما سنُجرب ذلك يومًا ما". وبعد وقت قصير من إعلانه عن حملته لإعادة انتخابه عام ٢٠١٩، نشر تغريدة أشار فيها إلى أنه سيقضي فترات إضافية تتجاوز ما يسمح به الدستور. وخلال ولايته الأولى، اقترح أيضاً أنه بعد قضاء فترتين، سيتفاوض للحصول على ولاية ثالثة.
بعد وصوله للحكم مؤخراً، بدأ ذلك التوجه يتخذ شكلاً أكثر جدية وصراحة، ويبحث في الإطار التنفيذي العملي. فبعد فترة وجيزة من إعادة انتخابه عام ٢٠٢٤، أخبر ترامب النواب الجمهوريين أنه قد يحتاج إلى مساعدتهم للترشح لولاية ثالثة. وبعد ثلاثة أيام من أدائه اليمين الدستورية، اقترح النائب الجمهوري آندي أوجلز تعديلاً يسمح بتمديد عدد مرات ولاية الرئيس لثلاث فترات بدلاً من فترتين فقط، على أساس أنهما غير متتاليتين، فترامب فاز بالرئاسة في عامي ٢٠١٦ و٢٠٢٤، بينما خسر في انتخابات عام ٢٠٢٠ أمام جو بايدن. قال ستيف بانون مستشار سابق لترامب وأحد حلفائه المقربين إن ترامب "سيترشح ويفوز مجدداً في الانتخابات القادمة عام ٢٠٢٨". وفي فبراير الماضي شبه ترامب نفسه بالملك، في أعقاب إصداره أمراً تنفيذياً خاصاً بمدينة نيويورك، الأمر الذي أثار غضباً واسع النطاق، خصوصاً بعد نشر البيت الأبيض صورة للرئيس مرتدياً تاجاً ذهبياً، وفي ذات الشهر اعتبر ترامب أن من ينقذ بلاده لا يخالف أي قانون، وفق ذات السياق.
ويحدد الدستور الأميركي ولايتين رئاسيتين فقط كحد أقصى لتولي المنصب. فالولاية الرئاسية الثالثة محظورة وفق الدستور بموجب التعديل الثاني والعشرين، الذي ينص على: "لا يُنتخب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين". خلال عقد الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي فاز الرئيس فرانكلين روزفلت بولاية ثالثة، كأول رئيس أميركي يصل لذلك، بل وتخطاها للرابعة، فتقرر العمل على حظر ذلك دستورياً. ووافق الكونجرس على التعديل في العام ١٩٤٧، ودخل حيز النفاذ في العام ١٩٥١. قبل ذلك الوقت لم يكن ذلك الأمر محدداً وفق الدستور، بل كان عُرفاً أرساه الرئيس جورج واشنطن، بعد رفضه الترشح لولاية ثالثة عام ١٧٩٦، وجرى الإلتزام به لعقود. كما يعتبر تعديل الدستور بشكل عام، وفيما يتعلق بتوسيع نطاق الولاية القانونية للرئيس لأكثر من دورتين انتخابيتين بشكل خاص، أمراً معقداً، فالدستور الأميركي يعتبر من بين الدساتير الجامدة، والذي يتطلب تعديله موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، بالإضافة إلى إقرار ثلاثة أرباع الولايات. ورغم سيطرة حزب ترامب الجمهوري على مجلسي الكونغرس، إلا أنه لا يملك أغلبية الثلثين. كما يسيطر الحزب الجمهوري على ٢٩ هيئة تشريعية للولايات، إلا أن ثلاثة أرباع الهيئات التشريعية تعني ضرورة السيطرة على ٣٨ من مجمل الولايات الـ ٥٠.
اعتبر ترامب، خلال مقابلة يوم الأحد الماضي، أن هناك أساليب يمكن من خلالها الالتفاف على العائق الدستوري الذي يمنع رؤساء الولايات المتحدة من البقاء لثلاث فترات. وأكد بانون أيضاً على وجود طرق غير تقليدية للتمسك بالسلطة، معتبراً أنه بامكان ترامب الترشح لولاية ثالثة على أساس أن ولايتي ترامب الرئاسيتين لم تكونا متتاليتين. ووفق التعديل الثاني والعشرين من الدستور، يحظر الترشح لمنصب الرئيس أكثر من مرتين، إلا أن مستشاري ترامب يعتبرون أن ذلك الحظر لا يسري بالضرورة على تولي المنصب، الذي يمكن أن يأتي بوسائل أخرى غير الترشح للانتخابات. فقد اعتبر ويلكر أن ترامب يمكن أن يكون نائباً لمرشح رئاسي جمهوري آخر، والذي يمكن أن يكون نائبه الحالي جيه دي فانس على سبيل المثال، في الانتخابات القادمة، على أن يقوم الأخير بالاستقالة بعد فوزه وتنصيبه رئيساً، الأمر الذي يسمح لترامب بتولي السلطة عن طريق الخلافة، وليس عن طريق الترشح المباشر في الانتخابات، أي بموجب التعديل الدستوري الخامس والعشرين، بيتولى منصب "الرئيس بالوكالة".
إلا أن ذلك التوجه يتعارض مع نص التعديل الثاني عشر للدستور، الذي تم التصديق عليه عام ١٨٠٤، والذي يعتبر أنه: "لا يحق لأي شخص غير مؤهل دستورياً لمنصب الرئيس أن يكون مؤهلًا لمنصب نائب الرئيس"، فإذا لم يعد ترامب مؤهلاً لتولي منصب الرئيس، بعد أن أمضى فترتين في منصبه، فلا يمكنه أن يكون مؤهلاً لأن يكون نائباً للرئيس أيضاً. ومن المُرجح ووفق القانون أن تُراعي المحاكم الغرض العام من التعديل الثاني والعشرين، والذي جاء لحصر مدة تولي الرئاسة بولايتين فقط، خصوصا وأن البند الأول من نفس التعديل يسمح لنائب الرئيس بخلافة الرئيس إذا توفى وذلك بقضاء الفترة المتبقية من ولايته، ثم قضاء فترتين رئاسيتين أخريين، بمجموع لا يتجاوز العشر سنوات.
إذا ترشح ترامب لمنصب الرئيس أو نائب الرئيس في العام ٢٠٢٨ فستنظر ادارة الانتخابات والمحكمة العليا بذلك الأمر، وخلال انتخابات ٢٠٢٤ طعنت عدة ولايات في أهلية ترامب للترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري بموجب المادة ٣ من التعديل الرابع عشر، على خلفية هجوم ٦ يناير عام ٢٠٢١ على مبنى الكابيتول، إلا أن المحكمة العليا حكمت لصالح ترامب. قد تكون المحكمة العليا، التي وسّعت نطاق حصانة الرئيس في حكم سابق، أقل استعدادًا لاخذ قرارات ضد ترامب، في ظل تركيبتها الحالية، فغالبية القضاة التسعة هم من المحافظين، ويشكلون ستة أعضاء، وقام ترامب بتعيين ثلاثة منهم في ولايته السابقة. يأتي ذلك بالإضافة إلى أن أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين انضموا إلى الكونغرس بعد انتخاب ترامب أول مرة في العام ٢٠١٦، وكثيرين منهم دخلوا الانتخابات وفق برنامج مؤيد له صراحةً، في ظل انخفاض عدد الجمهوريين الذين يمكن أن يوازنوا بين سلطته والسلطة التشريعية. وقد تم اخبار ذلك بالفعل في ظل القرارات التنفيذية التي أصدرها ترامب بعد وصوله الأخير للسلطة، دون أي اعتراض من قبل الجمهوريين، بل يسعى الكونجرس اليوم لتقويض قدرات المحاكم الفدرالية، التي تتصدى لقرارات ترامب التنفيذية. ومن غير المرجح أن يتدخل الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون لكبح جماح طموحات ترامب، إذا بقيت تركيبه الكونجرس كما هي.
تأتي تلك التطورات في ظل حقبة دشنها ترامب بقرارات فردية تعمد خلالها طرد آلاف الموظفين الفيدراليين، وانتهك صراحة حرية التعبير المنصوص عليها بحكم الدستور سواء كان ذلك في الإعلام أوالجامعات، وعاقب معارضيه ومنافسيه السياسيين، بعد أن بدأت إدارته باستهداف شركات المحاماة الكبرى التي ساعدت في الملاحقات القضائية المرفوعة ضده قبل توليه منصبه. وترفع جماعات ديمقراطية ومنظمات غير حزبية دعاوى قضائية منفصلة تتعلق بالقرارات التنفيذية الأحادية التي اصدرها ترامب وتتعلق بقراراته المتعلقه بالانتخابات وفصل آلاف الموظفين الفدراليين والغاء وزارة التعليم ووكالة التنمية، وغيرها من القضايا التي تثير جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة. وعلقت المحاكم الفيدرالية سياسات تبنتها إدارة ترامب تتعلق بتلك القضايا، وقدّم محامو ترامب التماسات تطالب بتدخل المحكمة العليا، وكأن البلاد على حافة أزمة دستورية.
رغم اعتبار عدد من قيادة الحزب الجمهوري أن تعليقات ترامب حول الولاية الثالثة تتعلق بلفت النظر لاهميته السياسية، إلا أنه يبدو أن مساعي ترامب لمخالفة التعديل الثاني والعشرين من الدستور يأتي في إطار نيته مبيته للتحرر من قيود القانون في سبيل تمسكه بالسلطة. فقد انتهك ترامب بالفعل التقاليد الديمقراطية قبل أربع سنوات، عندما حاول إلغاء نتائج الانتخابات التي خسرها أمام بايدن. ماذا ينظر الولايات المتحدة في القريب المنظور؟







