ابراهيم نوار يكتب: الصعود الصيني وتداعياته على توازن القوى في الشرق الأوسط

profile
  • clock 14 يونيو 2023, 3:57:25 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

مثلما انتقل محور القوة الرئيسي في العالم شرقا إلى الصين، فإن الشرق الأوسط يمر الآن بعملية تاريخية، ينتقل فيها محور القوة الرئيسي شرقا من البحر المتوسط إلى الخليج، ليكون توازن القوى في الخليج، وليس في شرق المتوسط، هو العامل الذي يقرر توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط ككل، بأقاليمه الفرعية، التي تضم شمال المحيط الهندي، والقرن الافريقي، والبحر الأحمر، وشرق البحر المتوسط.
المثير في عملية الانتقال تلك هي إنها تشهد تغيرات درامية في خريطة العلاقات الإقليمية، بدءا بزلزال استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية، وانتقال محور تجارة النفط السعودي إلى الصين، وظهور المحور السعودي – الروسي داخل مجموعة أوبك الموسعة «أوبك بلس»، والشروع في فتح سوق السلاح في الشرق الأوسط للأسلحة الصينية، وانسحاب الولايات المتحدة عسكريا من أفغانستان في مشهد مهين أعاد للأذهان انسحابها المذل من فيتنام، وإنهاء المهام القتالية للقوات الأمريكية في العراق، مع بقاء جزء منها باتفاق مع حكومة بغداد، وسحب القوات من سوريا باستثناء قاعدة صغيرة في الحسكة (شمال شرق سوريا) تضم حوالي ألف عسكري.

الهيمنة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي

بناء محور القوة الجديد ونجاحه في تحقيق أهدافه يتوقف على قوة محركاته في مواجهة محركات المقاومة لدى الأطراف الأخرى التي تعمل على استمرار توازن القوى لصالح الهيمنة

وفي إطار عملية انتقال محور القوة شرقا، تقوم إيران بدور رئيسي على صعيد إقامة توازن جديد يضرب أسس التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي الذي تضمنه وتلتزم باستمراره الولايات المتحدة. هذا الدور الذي تقوم به إيران يجسد تحديا ثقيلا للولايات المتحدة أيضا، حيث استثمرت إيران السنوات منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (JCPOA) في إطلاق عملية تطوير امتلاكها للتكنولوجيا النووية، إلى الدرجة التي تثير القلق في كل من واشنطن وتل أبيب، من أنها أصبحت على عتبة إنتاج سلاح نووي. ولم تدخر إيران وقتا أو جهدا في هذه العملية التاريخية لتحدي نظام توازن القوى القائم على الهيمنة الأمريكية والتفوق النوعي الإسرائيلي، ليس بواسطة امتلاك سلاح نووي، ولكن بتطوير منظومة عسكرية تقليدية متطورة محليا، أهمها منظومة الصواريخ والمعدات العسكرية المسيرة وأهمها الدرونز.
قد عاشت منطقة الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية بلا منازع تقريبا لمدة تقرب من ثلاثة عقود منذ 1991 حتى 2022. وشهدت السنوات الخمس الأخيرة تطورات درامية على صعيد علاقة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، من صعود صاخب في احتفال شهده «قصر اليمامة» في الرياض عام 2017، رقص فيه دونالد ترامب رقصة «العرضة» السعودية بالسيوف بين الملك سلمان والأمراء السعوديين، إلى فشل مذل للرئيس اللاحق جوزيف بايدن في «قصر السلام» في جدة عام 2022 ، حيث لم يحقق غرضه في إقناع السعودية بزيادة إنتاج النفط، ولا إقناع الدول العربية بفكرة التحالف العسكري مع إسرائيل. هذه السنوات الخمس المثيرة شهدت أيضا ضم إسرائيل إلى مسرح عمليات القيادة العسكرية المركزية في عام 2021، وهي القيادة التي تدير الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، في خطوة مكشوفة لدمج إسرائيل عسكريا في المنطقة، على التوازي مع الخطوة التي تمت لاحقا لدمج إسرائيل على المستوى السياسي/ الاقتصادي من خلال «منتدى النقب» الذي تم إعلانه في نوفمبر 2022.

توازن القوى والسلام

لم تستثمر الولايات المتحدة حقبة «الهيمنة الأمريكية» بإقامة سلام إقليمي، وإنما تميزت تلك الحقبة بانتشار النزاعات والصراعات والحروب. ويمكن القول باطمئنان إن فترة الهيمنة، بدلا من أن تنجح في بناء سلام جديد في المنطقة على غرار «السلام العثماني» الذي ترافق مع الهيمنة التركية، أو «سلام سايكس- بيكو» تحت الهيمنة البريطانية – الفرنسية؛ فإنها أخذت تسعى إلى تقسيم المنطقة، وبناء حلف عسكري جديد يزيد من حدة صراعاتها الداخلية، وجعلها منطقة صراع أبدي سياسي ومذهبي. وقد شهدت الفترة الأخيرة من «الهيمنة الأمريكية» إنضاج فكرة إقامة تحالف متعدد الأغراض، عسكري/اقتصادي/سياسي بواسطة الإدارة الامريكية وإسرائيل والمؤتمر اليهودي العالمي. لكن استراتيجية تسويق هذه الفكرة اصطدمت برفض عربي واضح في القمة العربية – الأمريكية في السعودية في يوليو 2022.

تحدي توازن القوى القائم

يضمن «توازن القوى» تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار والعلاقات السلمية بين أطراف النظام. لكن «توازن القوى» لا يحقق ذلك إلا بعد القبول به كحقيقة واقعة لا تقبل التحدي. وفي حال فشل «توازن القوى» القائم في الحصول على اعتراف أطراف النظام، فإنه يكف عن أن يكون أساسا لتحقيق الاستقرار والعلاقات السلمية بين أطرافه. وهذا هو تماما ما بدأ يتعرض له «توازن القوى» القائم على الهيمنة الأمريكية والتفوق النوعي الإسرائيلي، من تحد بواسطة إيران والقوى المرتبطة بها. في هذه الحالة، فإن تحدي توازن القوى القائم يخبرنا بأن النظام الذي نشأ في «المرحلة السابقة» لن يستمر في «المرحلة اللاحقة»، ما لم يتم إنزال هزيمة ساحقة بالقوى التي تتحدى «توازن القوى»، وإجبارها على «قبوله». وفي العادة يكون التعبير عن القبول في شكل اتفاقيات تعاقدية بين الدول الأطراف في النظام الإقليمي والدولي، بما يضمن تحقيق مبادئ أساسية في العلاقات الدولية السلمية، مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام الحدود القائمة، والمحافظة على سيادة الدول الموجودة ووحدة أراضيها، على غرار مبادئ الاتفاقيات الوستفالية الأوروبية في القرن السابع عشر. وإذا تأملنا السياق التاريخي الذي جاءت فيه «لحظة الهيمنة الأمريكية» في الشرق الأوسط، سنكتشف مفارقة تاريخية مثيرة، هي أن هذه اللحظة نفسها شهدت أيضا بداية التكوين لولادة «لحظة التحدي الإيراني»، وهي اللحظة النقيضة للهيمنة الأمريكية، خصوصا بعد أن وجدت إيران نفسها محاطة بقوات أمريكية إلى الشرق من حدودها في أفغانستان، وإلى الغرب في العراق. وقد نشأت «اللحظة الإيرانية» ردا على التهديد الأمريكي، الذي رأت فيه طهران «تهديدا وجوديا» لنظامها السياسي، خصوصا مع إعلان السياسة الخارجية الأمريكية شعار «تغيير الأنظمة» regime change كهدف رئيسي من أهدافها. ومن ثم فإن السياسة الإيرانية رفضت الاعتراف بتوازن القوى الجديد القائم على الهيمنة الأمريكية، دفاعا عن نظامها، وبدأت في انتهاج «استراتيجية المقاومة»، من خلال تفعيل ثلاثة محركات أساسية: أولها هو بناء قوة عسكرية كافية لردع الولايات المتحدة وإسرائيل إقليميا، military deterrence. وثانيها هو استخدام المحرك المذهبي العقائدي إلى أقصى حد ممكن لتوسيع نفوذها السياسي في البلدان العربية المجاورة، وبناء ما يسمى «الهلال الشيعي» الممتد من بغداد إلى دمشق وبيروت، وكذلك مساندة إعادة بناء «الدولة المذهبية الزيدية» في اليمن، على أنقاض نظام علي عبد الله صالح الذي كان ينتمي إلى عقيدة صدام حسين السياسية. المحرك الثالث هو إقامة «اقتصاد المقاومة» resistance economy الذي جعل إيران واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في الشرق الأوسط ، تتميز بتنوع هياكلها الإنتاجية إلى ما بعد عصر النفط، وسعيها إلى إقامة أعلى درجة ممكنة من الاندماج بين الاقتصادين المدني والعسكري، وتكثيف العلاقات مع جيرانها.

ترابط محركات توازن القوى

توازن القوى الذي يولد ويتشكل الآن في الشرق الأوسط، ولم يكتمل بعد، وقد يستمر وقد يتعرض للإجهاض، تقوده محركات دولية وإقليمية إيجابية وسلبية تلعب معا في اتجاه واحد، هو إضعاف قواعد «توازن القوى» القائم على «الهيمنة الأمريكية والتفوق النوعي الإسرائيلي». وتعمل المحركات التي تقود تشكيل محور القوة الجديد في اتجاه بناء وتشكيل توازن، يستهدف تحقيق سلام إقليمي، يمكن أن تنضم إليه تركيا، لتشكل القوى التاريخية الإقليمية الثلاث: العرب والفرس والترك للمرة الأولى تحالفا مفتوحا للسلام وليس مثلثا للصراع. وتقود عملية بناء محور القوة الجديد ست مجموعات من المحركات الرئيسية، الأولى هي محركات صعود الدور الإقليمي للصين. والثانية محركات المقاومة الروسية لتوسيع حلف الأطلنطي شرقا. والثالثة محركات بروز إيران كقوة إقليمية عسكريا واقتصاديا وسياسيا. والرابعة هي محركات استقلال السياسة السعودية وإعادة تشكيلها على قاعدة المصالح الوطنية، بإسقاط مبدأ «النفط مقابل الدفاع». والخامسة، محركات تآكل القوة الإسرائيلية، مع صعود الصهيونية الدينية المتطرفة على حساب الصهيونية السياسية، ووصول استراتيجية إبادة الهوية الوطنية الفلسطينية إلى نقطة استحالة التحقق من دون إبادة الفلسطينيين أنفسهم وهو ما يتناقض مع إرادة البقاء الفلسطينية. وأخيرا محركات أفول القوة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، بسبب تآكل فائض القوة المتاح لممارسة دور الهيمنة. هذه المحركات الكلية الستة تقذف إسرائيل، بسياستها الحالية، إلى «الهامش» بعيدا عن محور القوة، وإعادة تكوين «مركز القوة» ضمن تحالف عربي – إيراني – تركي، تسانده روسيا والصين. لكن اكتمال عملية بناء محور القوة الجديد ونجاحه في تحقيق أهدافه ليس حتمية تاريخية، وإنما يتوقف على قوة محركاته في مواجهة محركات المقاومة لدى الأطراف الأخرى التي تعمل بلا هوادة من أجل استمرار توازن القوى لصالح «الهيمنة».


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)