رضا طاهر الفقي يكتب: ذكرى غياب "البابا شنودة" عن شعبه القبطي.. إلا أنه مازال يداعب خيالهم

profile
رضا طاهر الفقي كاتب صحفي مصري
  • clock 18 مارس 2024, 9:10:34 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

في الثالث من أغسطس الماضي احتفل  الشعب القبطي بمئوية البابا شنودة، وفي السابع عشر من هذا  الشهر يحتفلون بذكري رحيله، حيث أنه ولد في 3 أغسطس 1923، ورحل 17 مارس 2012، إلا أنه مازال يداعب خيالهم.

وقد جلس على كرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر 1971 وبذلك أصبح البابا رقم (117) في تاريخ البطاركة.

وقد تولى البابوية بعد موت البابا كيرلس الذي ولد في 2 أغسطس 1902، ومات في الثلاثاء 9 مارس 1971. ويعد الاثنان (شنودة وكيرلس) من أشهر باباوات الكنيسة القبطية، وقد قضي البابا كيرلس 12 عاما على كرسي القديس مرقس، بينما قضى البابا شنودة 41 عاما علي سدة الكرازة المرقسية، وتجمع بينهما بعض المفارقات منها أن الاثنين اتفقا في الميلاد والرحيل، فقد ولد الاثنان في شهر أغسطس كما رحلا في شهر مارس.

وقد ولد البابا شنودة يتيما بقرية "سلام" بمحافظة أسيوط، وكان اسمه نظير جيد روفائيل، وعاش طفولة بائسة حيث رحلت أمه وهي  تلده مصابة بحمي النفاس، وظل متنقلا من منزل إلى منزل مفتقدا للرعاية حتى أُطلق عليه لقب "المنسي"، واستقر به المقام في بيت خالته  بحي شبرا. وقرأ وتعلم واستمع حتى توصل لنتيجة في كتابه "البيداء"، وهي: أن الإنسان لابد أن يرحل، ويا ليته يرحل من أجل عمل صالح، وبناء على ذلك ترهبن بدير الأنبا بيشوي باسم الراهب انطونيوس السرياني، وعينه البطريرك كيرلس أسقفا للتعليم قبل أن يدخل القرعة الهيكلية.

وتحول البطريرك إلى راع، والراعي أصبح سفيرا لبلاده، وقال عنه بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، حين قابله: "هذا الرجل من زمن آخر". وقد عاش الرجل لم يرضخ للمتشددين المسيحيين، وأقباط المهجر، عاش يحب بلاده، ويكتم أسرارها بقدر تصاعد  المخاوف من خلو كرسي الباباوية.

ما زالت مواقفه تسير إشكاليات وتساؤلات، فقد ترأس السلطة الدينية والسياسية في ظروف انتقالية تشهد إعداد دستور جديد، وبرلمان أغلبيته من الإسلاميين، إن تزامن تغير السلطة الدينية، والسياسية أعاد إلى الأذهان الفترة عقب مطلع السبعينيات بوفاة عبد الناصر ومجيء  السادات، ورحيل كيرلس ذو التوجيهات الروحانية البعيدة عن التدخل في الشئون السياسية، وانتخاب شنودة ذو الصفات الكاريزمية، والذي واجه العديد من العقبات والعوامل التي دفعت به إلى السياسة مما أدى إلى المواجهة والصدام لينتهي الأمر بتحديد إقامته في 5 سبتمبر عام 1981.

مقارنة بين مواقف للبابا شنودة ومثيلتها للبابا تواضروس

كان الإيمان المسيحي أحد أهم مطالب البابا شنودة؛ لذا أصر على عدم الرضوخ في قضية الزواج، حيث رأى أنه ما جمعه الرب لم يكن ليفرقه إنسان، وبالتالي رفض الزواج الثاني إلا إذا توافرت علة الزنا، وقد وصف لائحة 38 بأنها من تأليف "البكوات" الذين لا يعرفون شيئا عن الإنجيل.

في حين نجد خلفه البابا تواضروس يطالب بلائحة جديدة للأقباط يتم فيها الأخذ من لائحة "البكوات"! وتقسيم المجلس الإكليركي إلى أكثر من كيان، وفي أكثر من مكان، بعد أن كانت المركزية تحكمه.

وفي شأن آخر، بينما نجد البابا شنودة يصف دير "وادي الريان" بأنه ينشر الهرطقة وتعاليم متي المسكين، إلا أن البابا تواضروس يعتمده ديرا ويرسم أساقفته عقب توليه كرسي القديس مار مرقس الرسول!

وعن زيارة القدس والتقديس المسيحي وزيارة قبر المسيح، نجد رفضا قاطعا من البابا شنودة، على اعتبار أن القدس مدنسة بأقدام بني صهيون قتلة المسيح، وقال في ذلك مقولته الخالدة: " لن نذهب إليها إلا بأيدي إخواننا المسلمين، وهي محررة من قتلة المسيح".

لكن البابا تواضروس أجاز التقديس إلى القدس لكبار السن والمرضى.

وفي عهد البابا شنودة تم شلح العديد من القساوسة، لكن بمجرد توليه الكرسي أعادهم البابا تواضروس للحياة  الروحية من جديد مثل: الأنبا تكلا أسقف دنشا، والأنبا ايساك، مساعد الأنبا باخوميوسأ والقمص أندراوس عزيز.

وقضى البابا تواضروس على نفوذ الأنبا بيشوي الرجل الحديدي في الكنسية، والذي كان يصفه البعض بأنه مطرقة البابا شنودة لصفع خصومه.

وفي بعض الأحيان، يحاول البابا تواضروس ارتداء "الثوب الشنودي" في مثل إقامة التوازنات، ومراعاة الحوار والتفاوض للخروج أحيانا من الفتنة الطائفية حتى لا يدفع الأقباط لحالة مواجهة مع الجميع، وحتى لا يحدث الانقسام بين الكنيسة ورعاياها، والخوف من تكرار أحداث كماسبيرو، والدفع بالأقباط داخل الكنيسة مرة أخرى حتى يستطيع النظام التعامل مع الاقباط من خلال رأس الكنيسة.

لكن ينقص البابا تواضروس للنجاح الكامل في ذلك الصفات الكاريزمية التي تمتع بها البابا شنودة، ومن ثم يتمزق "الثوب الشنودي" على البابا تواضروس الذي تجعله المقادير في حيرة بين أن يقوم بعزلة وزعامة روحية فقط، ويعزل نفسه عن السياسة، أو أن يظل يلعب دوره الروحي مع دوره السياسي.

كما يتساءل البعض عن مدى قدرة البابا تواضروس في الحفاظ علي تركة البابا شنودة من حيث تماسك الكنيسة وقوتها. ففي بلاد المهجر استطاع البابا شنودة السيطرة، وكانت تعاليمه للأساقفة والقساوسة ألا يظهروا كثيرا في المعترك السياسي لأنه يؤثر على الكنيسة، وسمعتها ومكانتها، وهبيتها.

لكنّ حالة من السيولة والتساهل أدركت هؤلاء في عهد البابا تواضروس؛ الأمر الذي عرّض الكنيسة للانتقاد في أحيان كثيرة، وقد يكون الحل الأمثل للكنيسة تفعيل دور المجلس الملي،  واختيار قادته لتمثيل الكنيسة في الأمور العامة والسياسية، على أن يبقى البابا رأسا ورعا وقورا  للمؤسسة الكنسية، وهذا ما كان يفعله البابا شنودة، وكان محترفا في ذلك تمام الاحتراف.
 
الرجلان (البابا شنودة والبابا تواضروس) يختلفان جزئيا وكليا، والمقارنة بينهما غير موضوعية، للصفات الذاتية والمكتسبة والطبيعية والإمكانيات الفردية لكل منهما؛ ولذا كان ينبغي على البابا تواضروس أن يرفض الظهور في رداء البابا شنودة، بأن يسن قواعد جديدة.

التعليقات (0)