إبراهيم نوار يكتب: التطبيع «الخطيئة» وهدف تحقيق السلام للشعب الفلسطيني

profile
  • clock 21 فبراير 2024, 8:29:22 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

يتجه الموقف الأوروبي والأمريكي المعلن إلى ترجيح فكرة الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة قابلة للحياة والنمو، وأن إقامة هذه الدولة يمثل ضمانا لأمن واستقرار الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

الجديد في التحركات الأخيرة بشأن الدولة الفلسطينية هو التصريح بأن الاعتراف بها لا يجب أن يتأخر إلى نهاية عملية تفاوضية من أجل السلام، وإنما يمكن أن يسبق ذلك.

ويبدو من تصريحات الرئيسين الأمريكي والفرنسي ووزير الخارجية البريطاني، ومن المداولات التي تمت على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، أن العالم يحاول، قدر الإمكان، الحد من تدهور الموقف في رفح إلى مذبحة بشرية لم يشهد العالم مثلها في العصر الحديث.

هذا هو الموقف كما يبدو ظاهرا. لكن يجب ألا نتجاهل أن هناك عوامل أخرى قائمة، ليست خفية، يحاول السياسيون إخفاءها أو تجاهلها.

أول هذه العوامل أن إسرائيل يجب أن تقدم قريبا تقريرا طلبته محكمة العدل الدولية بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب بناء على القرار الصادر عن المحكمة، فماذا ستقول فيه؟

العامل الثاني هو أن المحكمة الجنائية الدولية دخلت على الخط، وهي محكمة لها صلاحيات تنفيذ الأحكام، على عكس محكمة العدل الدولية التي يختص مجلس الأمن الدولي بالنظر في تنفيذ أحكامها.

العامل الثالث هو قرب حلول شهر رمضان المبارك، الذي يحمل معه كل عوامل تأجيج مشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم، غضبا لما ترتكبه إسرائيل من جرائم في حق الشعب الفلسطيني، وتضامنا مع صمود هذا الشعب.

العامل الرابع هو اقتراب الانتخابات الأمريكية ومحاولة إدارة بايدن أن تبدو وكأنها تفعل شيئا من أجل تهدئة الوضع في الشرق الأوسط.

العامل الخامس هو أن أطرافا تشارك في منصة السعي لوضع جدول تنفيذي لإقامة دولة فلسطينية تريد من ذلك كسب الوقت حتى تهدأ الأمور، انتظارا للنتائج الفعلية للانتخابات الأمريكية، وبعدها يكون لكل حادث حديث.

الجديد أيضا أن بعض مراكز الفكر المعنية بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وعلى رأسها معهد واشنطن، المعروف بتأييده لإسرائيل دخل على الخط لمناقشة فكرة الدولة الفلسطينية على أرضية سياسية أقرب ما تكون إلى أفكار اليمين الديني الصهيوني، مؤكدا أن هناك معارضة شعبية في إسرائيل لفكرة إقامة دولة فلسطينية.

وقد كتب اثنان من أقطاب المعهد، دينيس روس في (التايمز) بتاريخ 5 من الشهر الحالي، وبعده ديفيد ماكوفسكي في (تايمز أوف إسرائيل) في 16 من الشهر نفسه لتوضيح وجهة النظر الإسرائيلية المتشككة في أن إقامة دولة فلسطينية يمكن أن تكون ذات جدوى لتحقيق الأمن والسلام للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

من السذاجة البالغة تصديق أن إسرائيل التي تستعين بالقوة الأمريكية لتحقيق التفوق الساحق والسيطرة المطلقة تريد أن تندمج سلميا في المنطقة

قبول السلام مخاطرة

يعتبر دينيس روس أن 7 أكتوبر يمثل جرحا عميقا للإسرائيليين يحتاج إلى سنوات للشفاء منه، ما يجعلهم مترددين في مجرد التفكير في المخاطرة المطلوبة لتحقيق السلام.

وبسبب استغراقهم الشديد في خسائرهم فإنهم غير متنبهين إلى خسائر الفلسطينيين في غزة! ويقترح روس مسارين للسلام في غزة، الأول جسر يؤدي لخلق واقع جديد، من الآن قبل أن تنتهي الحرب، دون التخلي عن هدف إنقاذ الأسرى، يبدأ بتغيير هدف الحرب إلى نزع سلاح غزة بدلا من القضاء على حماس، وذلك لأن حماس ترتبط بفكرة إسلامية عميقة الرسوخ في العقلية الفلسطينية، لن تزول ولا حتى في جيل واحد. هذه الفكرة ليست جديدة، وقالها قبله مئير بن شبات في إسرائيل.

ويتطلب بناء هذا الجسر تعاونا وثيقا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان ودول الخليج، خصوصا الإمارات والسعودية، من أجل البدء في إعادة إعمار غزة، بشرط ألا تستفيد حماس من المساعدات اقتصاديا، أو في إعادة تسليح نفسها.

ويعتقد روس أن هذه العملية في الظروف المثالية يمكن أن تستغرق ما يتراوح بين 12 إلى 18 شهرا.

لكن بما أننا لا نعيش في ذلك العالم المثالي فإن تلك العملية يمكن أن تستغرق سنوات. ويقول روس إنه من الضروري إقامة سلطة إدارية مؤقتة لحكم غزة حتى يتم إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية.

وبعدما يتم ذلك تصبح السلطة مؤهلة لحكم غزة وتوحيد الضفة والقطاع معا تحت سلطة واحدة. بعد ذلك يأتي الوقت للبدء في بناء الجسر الثاني الذي يوصل إلى دولة فلسطينية لها حدود واضحة، وتحت التزامات محددة تجاه إسرائيل بضمانات دولية. 

ويجب عند إقامة هذا الجسر منع حماس من أن تكون جزءا من العملية السياسية. ويكرر روس هنا الحديث السخيف عن حاجة إسرائيل إلى ضمانات أمنية، وكأن الفلسطينيين هم الطرف المعتدي، كما أنه لا يشير من قريب أو بعيد إلى التعويضات التي يجب أن تدفعها إسرائيل ثمنا لأعمال القتل والتدمير والتخريب المتعمد في غزة.

القاموس السياسي للحكومة الحالية في إسرائيل لا يتسع لفكرة «الدولة الفلسطينية»، وهي حكومة ترهن مستقبلها بأكمله على تصفية القضية الفلسطينية تماما وتحويلها إلى قضية تتعلق بحاجة الفلسطينيين المتبقين في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ظروف معيشية أفضل.

يقول ديفيد ماكوفسكي أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية في حال نجاحه سيكون بمثابة مكافأة لحماس.

ويؤكد أن تحفظات الإسرائيليين على الدولة الفلسطينية تذهب إلى أبعد من سياسة نتنياهو، وتستند إلى أسباب ملحة للقلق، أولها يتعلق بالأمن.

واستنتج أن تأييد الإسرائيليين لفكرة إقامة دولة فلسطينية قد تآكل خلال العقود الثلاثة الأخيرة منذ اتفاق أوسلو، ودعم وجهة نظره بنتائج استطلاعات الرأي العام، ومنها استطلاع جرى في الشهر الماضي، أظهر رفض 59 في المئة من الإسرائيليين «حل الدولتين» كجزء من صفقة سياسية تشمل ضمانات أمريكية، وتطبيع مع الدول العربية، وهدنة عسكرية طويلة الأمد.

كذلك أظهر استطلاع آخر جرى قبل شهر من حرب غزة أن 32 في المئة فقط من الاسرائيليين اليهود يعتقدون بإمكان العيش في سلام مع دولة فلسطينية، وهي نسبة تقل بـ 14 نقطة مئوية عن استطلاع مماثل في عام 2013.

ويقول ماكوفسكي إن السبب الأساسي لهذه المعارضة للدولة الفلسطينية هو عملي أكثر منه أيديولوجي، بعد تجارب انسحابات إسرائيلية من الضفة طبقا لاتفاق أوسلو، ومن جنوب لبنان ضمن ترتيبات إقامة منطقة أمنية، والانسحاب الأحادي الجانب من غزة عام 2005.

التطبيع

من المرجح أن كلا من واشنطن وتل أبيب تسعيان للحصول على مباركة الرياض لخطة تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد قضية تتعلق بتحسين الظروف المعيشية وتصفيتها تماما كقضية سياسية.

وفي هذا السياق فإن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر إنجاز مشروع التطبيع السعودي – الإسرائيلي مسألة حياة أو موت بالنسبة لسياستها في الشرق الأوسط عموما.

الهدف الرئيسي والنهائي المعلن للتطبيع هو «دمج إسرائيل في المنطقة».

وبإمكانك بسهولة أن تضع كلمة «هيمنة» بدلا من كلمة «دمج» مع تغيير ما يلزم بعد ذلك. إسرائيل التي ترفض دمج «عرب 48» لا تستحق دمجها في المنطقة، وهدفها الحقيقي هو ترسيخ أسطورة التفوق الإسرائيلي في علاقتها بالدول العربية جميعا.

ومن السذاجة البالغة تصديق أن إسرائيل التي تستعين بالقوة الأمريكية لتحقيق التفوق الساحق والسيطرة المطلقة تريد أن تندمج سلميا في المنطقة. وعلى الإدارة الأمريكية أولا أن تقدم الدليل القابل للتصديق على أن إسرائيل «دولة عادية» تخضع للقانون الدولي، وتنفذ التزاماتها بالاحترام المتبادل والعلاقات السلمية تجاه جيرانها، وتعويض الفلسطينيين عما تفعله في غزة والضفة.

إسرائيل لا تسعى من وراء التطبيع إلى مجرد تحقيق الهيمنة الإقليمية، بل هي في حقيقة الأمر تريد خلق محور عدائي بين «العالم الإسلامي السني» و»العالم الإسلامي الشيعي»، ودفع المنطقة إلى أتون حرب لا نهاية لها.

المشروع الإسرائيلي الحالي خطر على العالم وخطر على المستقبل، ولا يجب الوقوع في مصيدة التطبيع المجاني الذي وقعت فيه الإمارات.

هذا لا يعني استحالة التعايش العربي – اليهودي في الشرق الأوسط. لكننا نعرف أن التعايش له شروط، وعلى إسرائيل أولا أن تبرهن بالدليل الموثوق أنها تقبل التعايش مع شعوب المنطقة على أساس المساواة والاحترام المتبادل وحل الخلافات بالطرق السلمية. 

وحتى لا نذهب بعيدا، فإن على إسرائيل أن تبرهن أولا على قبول التعايش على أساس هذه المبادئ مع الفلسطينيين الذين يعيشون داخلها كمواطنين «عرب 48» حتى يصدق الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية أنها ستتعامل مع دولتهم على هذه الأسس.

بغير ذلك فإن التطبيع السعودي – الإسرائيلي سيكون خطيئة لا تغتفر، ويضع المنطقة على حافة هاوية حرب باردة جديدة، كما كان الحال في ستينيات القرن الماضي وأسوأ.

كاتب مصري

التعليقات (0)