-
℃ 11 تركيا
-
3 أبريل 2025
الدكتور لبيب المختار يكتب: أول سفير للدولة العثمانية إلى روسيا القيصرية
الدكتور لبيب المختار يكتب: أول سفير للدولة العثمانية إلى روسيا القيصرية
-
1 أبريل 2025, 11:56:32 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
خطوة دبلوماسية تاريخية :
في ظل التحديات الجيوسياسية التي كانت تواجهها الدولة العثمانية خلال القرن الثامن عشر، برزت الحاجة إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع القوى الأوروبية، لا سيما اثناء وبعد سلسلة الحروب الروسية العثمانية (1768-1774)التي أنهكت الإمبراطورية ، وفي هذا السياق، يُعتبر تعيين أحمد رسمي أفندي كأول سفير عثماني دائم إلى روسيا القيصرية بين عامي ( 1772-1773) خطوة مفصلية في تاريخ الدبلوماسية العثمانية ، حيث مثّلت بداية عصر جديد من الانفتاح على أوروبا .
نظرة تاريخية :
ولد أحمد رسمي في عائلة من أصل يوناني في مدينة ريثيمو اليونانية التي تقع في جزيرة كريت ، والتي كانت تُعرف باسم ريسمو في الإمبراطورية العثمانية ، وصل أحمد رسمي إلى إسطنبول في عام 1733. ونسبت إليه معظم المصادر خبرته في فن الخط والرسائل والكتابة ، وقد علا شأنه من خلال البيروقراطية العثمانية والعمل مع جماعة من الإصلاحيين الذين غيروا العلاقات الدبلوماسية بين العثمانيين وأوروبا في القرن الثامن عشر وأنشأوا بعض المكتبات العامة و الخاصة في إسطنبول.
عُيِّن أحمد رسمي في أواخر عام 1757 في سفارة في فيينا ، أعقب السفارة في فيينا موعد مع أول سفارة عثمانية على الإطلاق الى ملك بروسيا فريدريك الكبير في برلين في( 1763- 1764) وبعد السفارتين قدم أحمد رسمي تقارير مفصلة عن جغرافية مروره وسياسة المحاكم التي واجهها أثناء سفارة برلين، أذ لم يترك وراءه فقط سردًا للمجاملات الدبلوماسية ولكن أيضًا تصوير فريدريك ووصف حرب السنوات السبع وقد افتتح في ملاحظاته تركيزًا جديدًا للإمبراطورية العثمانية على الحاجة إلى دراسة السياسة الأوروبية وعند عودته من برلين، تم تعيينه كبير مسؤولي المراسلات إلى الوزير الأعظم في عام 1765، ومن ثم أصبح رقيبًا رئيسيًا وبدأ علاقته الطويلة مع محسن زاده محمد باشا، الذي تم تعيينه مرتين وزيراً من بين التعيينات الأخرى في المناصب العليا كان تعيينه القصير كنائب في القيادة للوزير الاعظم مولدوفانلي علي باشا في عام 1769 اثناء تواجده في جبهة القتال البلغارية ، كما خدم بهذه الصفة مرة أخرى مع محسن زاده محمد باشا من 1771 حتى وفاة الوزير الأعظم في نهاية الحرب الروسية التركية 1768-1774.
على الرغم من أن الوظائف الثلاثة التي شغلها كانت بمثابة نقطة انطلاق لمكتب الوزير الأعظم، إلا أنه لم يحقق هذه المكانة أبدًا ، ومن المرجح أن انتقادات أحمد رسمي المنتظمة والقاسية لدولة التنظيم العسكري العثماني لعبت دورًا رئيسيًا في ذلك .
عمل أحمد رسمي كأول مفوض في مفاوضات السلام في عام 1774 وأصبح أحد الموقعين على المعاهدة الناتجة ، وفي عام 1775عاد أحمد رسمي إلى الظهور مرة أخيرة كرئيس لمكتب الفرسان بالقصر (سوفاري موكابليسيزي) تحت رئاسة الوزير الأعظم خليل حميد باشا، ربما تقديراً لخدمته المستمرة وراء الكواليس في مفاوضات صعبة مع روسيا حول مستقبل شبه جزيرة القرم والتتار. توفي أحمد رسمي في أغسطس 1783، قبل وقت قصير من توقيع اتفاقية (أيناليكافاك) التي تنازلت فيها الدولة العثمانية عن شبه جزيرة القرم لكاثرين الثانية في أوائل عام 1784.
شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر تنامي النفوذ الروسي في منطقة البحر الأسود والقوقاز بعد الحروب الطويلة مع العثمانيين، مثل حرب (1768– 1774)والتي انتهت بتوقيع (معاهدة كيتشوك كاينارجا ، وهي المعاهدة التي أضعفت السيطرة العثمانية على شبه جزيرة القرم ، ومع استمرار التهديد الروسي، أدرك السلطان مصطفى الثالث أهمية تبني استراتيجية دبلوماسية أكثر فاعلية، فبدأ في إرسال سفراء دائمين إلى العواصم الأوروبية كجزء من إصلاحات "النظام الجديد" (نظامِ جديد)، والتي هدفت إلى تحديث الدولة.
السفير الذي كسر الحواجز
اختير أحمد رسمي أفندي، أحد أبرز رجال الدولة العثمانية المثقفين، لهذه المهمة الصعبة. كان معروفًا بمعرفته الواسعة باللغات الأجنبية وخبرته السابقة في المهام الدبلوماسية المؤقتة. وصل رسمي أفندي إلى سانت بطرسبرغ عاصمة روسيا القيصرية في عام 1772، حاملًا رسائل من السلطان مصطفى الثالث إلى الإمبراطورة **كاترين الثانية**، والتي عبّرت عن رغبة العثمانيين في تعزيز السلام ومراجعة الحدود وفقًا للاتفاقيات السابقة.
التحديات التي واجهت السفير العثماني
1. الاختلافات الثقافية: صعوبة التفاهم بين البعثة العثمانية المحافظة والنخبة الروسية الأوروبية التوجه.
2. المطالب الروسية: ضغوط روسيا لفرض شروط مجحفة جديدة على العثمانيين، خاصة في ما يتعلق بحماية الأرثوذكس في البلقان.
3. التنافس الدولي: محاولة روسيا استغلال البعثة العثمانية لتبرير توسعها في مناطق نفوذ الدولة العثمانية.
نتائج البعثة وتأثيرها :
رغم أن مهمة أحمد رسمي أفندي لم تحقق جميع أهدافها المباشرة، إلا أنها كانت بداية لمسار دبلوماسي متواصل بين الدولتين. فقد ساهم في:
- فتح قنوات اتصال دائمة بين الباب العالي والقيصرية، مما سهّل التفاوض في الأزمات اللاحقة.
- تقديم تقارير مفصلة عن التطورات العسكرية والاجتماعية في روسيا، ساعدت العثمانيين على فهم تحركات خصومهم.
- تعزيز فكرة "السفارة الدائمة" كأداة ضرورية في السياسة الخارجية العثمانية، حيث أُرسلت بعدها بعثات دائمة إلى فيينا وباريس وبرلين.
إرث أول سفير عثماني إلى روسيا :
تُعد بعثة أحمد رسمي أفندي علامة على تحوّل الدولة العثمانية من الاعتماد على المواجهات العسكرية إلى اعتماد الدبلوماسية كوسيلة لإدارة الصراعات. ورغم أن التوترات العثمانية الروسية استمرت لعقود، إلا أن هذه الخطوة وضعت أساسًا للعلاقات الثنائية في العصر الحديث. كما كشفت البعثة عن حاجة العثمانيين إلى تطوير أدواتهم الدبلوماسية، وهو ما تجلى لاحقًا في إنشاء المدارس المتخصصة في اللغات والعلاقات الدولية.
اليوم يُذكر أحمد رسمي أفندي ليس فقط كأول سفير، بل كرمز للجهود العثمانية للتكيف مع نظام دولي متغير، حيث أصبحت الدبلوماسية جزءًا لا يتجزأ من صراع البقاء في عصر الإمبراطوريات.









