على الصاوي يكتب: عندما كانت بيروت تقرأ

profile
علي الصاوي كاتب صحفي وروائي
  • clock 12 ديسمبر 2022, 12:02:05 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

قديما كانت مصر تؤلّف، وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، عبارة شهيرة تعكس حالة التكامل الفكري والثقافي التي كانت عليه تلك الدول فيما مضى، وكيف كانت شعلة متقدة فكريا وثقافيا وأدبيا، حتى تَكلّلت تلك الصورة التكامليّة عندما أطلقت بيروت عام 1956 أول معرض للكتاب في الوطن العربي ليكون بمثابة درة تاج الإنتاج الفكري والأدبي لست الشام وعروسها ولأم الدنيا وعراق الرافدين.

مع انطلاق معرض الكتاب الدولي ببيروت في نسخته الـ64جاءني هاتف من صديق لبناني ودار الحديث بيننا حول المعرض ودور النشر المشاركة، وعن الفئات التي تحرص على حضوره واقتناء جديده من الإصدارات المختلفة، لكن المكالمة أدمت القلب وأحرقت الكبد حزنا وكمدا على ما وصلت إليه بيروت من تراجع ثقافي وقطيعة أدبية بين معظم أبنائها وبين القراءة وجفاء وهجر اللغة، فقال: إن كثيرا من اللبنانيين أعرضوا عن القراءة، فتجد ألسنتهم حاذقة عند التحدث بلغات أخرى غير العربية، وأمام لغتهم الأم يتحولون إلى صم بكم؛ والمعرض هذا العام بحاجة إلى رثاء بدلا من احتفاء؛ فقد تراجع عدد دور النشر التى كانت تشارك فيه إلى النصف تقريبا!!

فقلت: كيف لبلد أنجب جبران خليل جبران لا يقرأ أهله؟ كيف لبلد أنجب ريحانة الفن فيروز التي ما زالت أغانيها تشنّف الآذان كل صباح لا يقرأ أهله؟ كيف لشعب خرج من بينه ميخائيل نعيمة ومارون عبود وإيليا أبو ماضي وأديب إسحاق ونجيب حداد لا يقرأ؟

والله لو كان هؤلاء من بلدي لصرت قارئا نهما وإن كنت كارها، فما فائدة الورود وعطرها إذا الشعوب لم تشمّ شذاها؟ وتلك الأسماء كانت حديقة غناء جذورها ثابتة في الفنون والأدب وفروعها تمتد الى السماء؛ سقاها وحي الإبداع ماء الحكمة فأمطرت على بيروت ثقافة وفكرا، ما زال ينهل من نبعها ناشئة الأدب وشداته، فلا حاضر لأمة لا تقرأ ولا مستقبل لبلد بغير كتاب، فالإنسان يموت في المكان الذي تُحرق فيه الكتب وتُباع بالكيلوات على عربات الروبابيكيا بثمن بخس.

فكيف كان شكل بيروت عندما كانت تقرأ؟

كانت كالعذراء في خِدرها خجولة، تأثر القلوب ويأتيها الخُطّاب من كل بلد لخطب ودّها، فلا يبرحونها حتى يبلغوا غايتهم، فإن عجزوا التمسوا منها نظرة رضا أو حنان عاطفة تُطفئ مراجل العشق التى تغلي في صدورهم من حبهم وولعهم بها، ساحرة الجمال بارعة القوام لا تَعرف للقبح سبيل، مِضيافة كريمة، موسيقاها تراتيل وطنية وترانيم عشق يعزفها الأخوان رحباني، وتتغنّى بها فيروز بصوت رخيم عذب، يجتمع حوله المارة، ومع أول عزف تسكن البيوت في كل حارة في حضرة الإبداع والأصالة.

وفي ساحة الحمراء تجمع بين المحبين، وينشد المثقفون الشعر ويعزفون على أوتاره أجمل الألحان؛ أسواقها القديمة جذبت عشاق الرسم والتصوير، تنقل عدساتهم وريشتهم ملامح حضارات عريقة مرّت عليها وكانت جزءا منها، ليسطر التاريخ اسمها بين أجمل البلاد في العالم، فحازت ألقاب عدة لا تليق بألقها وجمالها لعجز اللغة عن وصف مكانتها السامقة في سماء المعرفة، هى كما وصفها محمود درويش بيروت من تعب ومن ذهب، كل مكان فيها ينبض بالثقافة والأصالة، عندما تسير بين حاراتها تشمّ عطر الكتب يفوح من بين جدرانها وعبير الفن يغمر أزقتها القديمة، وفي مكتباتها العتيقة تجد نفسك حين تنوء بك أعباء الحياة وتتوه بين ظلماتها.

فما أحوج هذا الجيل إلى آلة زمنية، تعود به إلى عصر بيروت الذهبي، ليعلم كم هو مقصر في حقها ولا يعرف قدرها، لو نطقت بيروت لصرخت في وجوههم قائلة: لو أعلم أن تلك نهايتي وقيمتي بينكم، لضربت على فلك الأرض ليمسك عن الدوران، ويقف الزمن عند من كان يعرف قيمتي ويحفظ إرثي، ولا يتنكر لحضارتي ويجهل مكانتي؛ أنتم أسوء خلف لخير سلف.

التعليقات (0)