نصر نتنياهو المُطلق: شعار لرجل دعاية بلا ضمير

profile
  • clock 17 فبراير 2024, 9:47:06 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

بقلم: عيديت زرتال

يوجد لميخائيل كولهاس، بطل قصة "هنريخ فون كلايست"، طلب عادل وهو إعادة خيوله التي سرقها منه صاحب العزبة. لكن سعيه إلى العدل المطلق حوله خلال رحلة الانتقام الفظيعة إلى شخص خارج على القانون، سارق وقاتل، وتسبب في نهاية المطاف بالدمار لحاشيته وبيته وهو نفسه.

يهودا عميحاي كتب في السابق أنه في المكان الذي نكون فيه على حق فإنه لن تزهر أبدا الأزهار في الربيع. هكذا كرر السطر اللاتيني المكتوب على مباني المحاكم وعلى رموز كليات الحقوق في العالم: "ليتحقق العدل وليدمر العالم".

قوموا بتغيير العدالة المطلقة بالنصر المطلق، أو قوموا بدمجهما معا وستكون لنا رحلة إلى الدمار الذاتي والضياع. المحطة المؤقتة في هذه الحملة هي كارثة 7 أكتوبر، التي كما يبدو لم نتعلم منها أي شيء. هذان المفهومان يعبران عن خيال أكثر مما هما واقع حقيقي. محاكاة للوقائع، انعكاس لوضع نفسي.

النصر المطلق لنتنياهو ليس سوى تركيب لفظي، هذيان، خيال، مبدأ إيماني يفيد في الوقت الحالي، شعار لرجل دعاية عديم الضمير يكرر بشكل استحواذي، كما لو أنه منوم مغناطيسيا، العلامة التجارية التي اخترعها، هذا الشيء الموهوم فارغ مثل الذي اخترعه. شعار "سننتصر معا" سبق وتمت إزالته من جدول الأعمال. الآن هو وانتصاره الشخصي، انتصاره وحده فقط. "أنا أصدرت الأوامر ووجهت لتحقيق النصر المطلق".

هذا المفهوم لا يوجد له أي علامة أو تعريف، باستثناء أنه شعار يتم وضعه على القبعة أو القميص، لا توجد له حدود أو أهداف واضحة مصاغة أو خطة. نحن لم نسمع أي تفسير أو أي شرح واحد حتى لهذا المفهوم. كالعادة نتنياهو لا يتطرق إلى التفاصيل، ويجب على الآخرين تحطيم الرؤوس للبحث عنها.

لذلك فإن هذا النصر المطلق يراوح في المكان بدون أي توجه أو جدوى، وهو يشرعن أي أعمال فظيعة، وباسمه كل شيء مباح وممكن، أيضا قتل عشرات آلاف الغزيين غير المقاتلين، ومن بينهم حوالى 10 آلاف طفل، وتدمير مدن وبلدات بالكامل على سكانها، مساجد، مدارس مستشفيات، عيادات، جامعات، مؤسسات حكومية وثقافية.

في عمق الشهر الخامس للحرب، التي ساد اتفاق في بدايتها على انه لا يوجد اكثر عدالة منها، وأنها تستهدف، على الأقل في نظر المتعقلين بيننا، إعادة المخطوفين إلى بيوتهم، وتحقيق العدالة للقتلى والمصابين الآخرين في 7 أكتوبر، وإعادة الكرامة المفقودة للجيش الإسرائيلي وقوة الردع – صورة الحرب التي تظهر خلف ستارة الجيش الدعائية وفي الاستوديوهات هي مخيفة حقا.

بالأرقام الحديث يدور عن حوالى 1500 قتيل إسرائيلي: جندي ومواطن، وحوالى 30 ألف قتيل غزي. إلى هذا يجب علينا إضافة بضع عشرات من القتلى في الضفة الغربية، في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب تستمر في غزة. خسارة إنسانية لا تصدق.

من اجل تمتع الأذن وإعطاء فكرة عن حجم القتل الذي نرتكبه في غزة وعن معنى الضحايا الفلسطينيين، حتى الآن نقول، إن هذا العدد يقترب من إجمالي قتلى إسرائيل في كل حروبها وفي العمليات الإرهابية ضدها منذ إقامتها.

القتلى في حربنا توجد لهم أسماء ووجوه، عائلات وأصدقاء سيحزنون عليهم، قصص بطولة ومراسم دفن، عبادة موت وخلاص. في المقابل، العدد الكبير من القتلى لديهم بقوا مجهولين وبدون وجوه، كتلة كبيرة ممن كانوا ذات يوم ولم يعودوا موجودين الآن وتم نسيانهم.

عائلات كاملة تمت إبادتها هناك، ولا يوجد من يقوم بالحداد عليهم ويتذكرهم. الموت هو فنان في غزة، ناجع ومتطور بدرجة مخيفة. فقط بعض الصالحين مثل عميره هاس أو شلومي الدار أو سكان الكيبوتسات على طول حدود القطاع، المتضررون الرئيسيون من كارثة 7 أكتوبر، يصممون منذ سنوات على إعطاء هؤلاء الأشخاص أسماء، وإعطاء معنى لحياتهم، وأن نروي قصتهم ونتماهى مع مصيرهم.

هم أيضا يؤمنون بإمكانية التفاهم والتعايش معهم. الدكتورة في مستشفى شنايدر، التي كانت مسؤولة عن علاج الأطفال الذين عادوا من الأسر، تحدثت بانفعال عن أم مخطوفة تم تحريرها، التي تحدثت عند عودتها بالتحديد عن المصير الصعب للنساء في غزة.

"في الوقت الذي لا يوجد فيه للغزيين ما يخسرونه، نحن نخسر الكثير"، كتب قبل خمس سنوات عوديد لايفشيتس، الصحافي وعازف البيانو من كيبوتس "نير عوز"، كتب عن غباء وتفاهة حروبنا في غزة والضحايا من الطرفين.

كل جولات القتال في غزة أعادتنا إلى نفس نقطة البداية مع الشعور بالضياع ومعادلة دموية مخيبة للآمال. ("حامي إسرائيل لا يحميها"، "هآرتس"، 14/1/2019).

عوديد ويوخفاد لايفشيتس، في التسعينيات من عمرهما، ومن النشطاء في مجال حقوق الإنسان، ناضلا لسنوات من اجل حق سكان غزة بحياة كريمة وسليمة، وكانا يقومان بنقل المرضى من هناك لتلقي العلاج في إسرائيل، تم اختطافهما في 7 أكتوبر. يوخفاد تمت إعادتها إلى البيت ولكن عوديد ما زال هناك. هذا المقال يتم تكريسه لهما ولذكرى فيفيان سلفر، التي قتلت في بيتها في كيبوتس "بئيري".

"النصر المطلق" لنتنياهو هو شعار سياسي، وليس خطة عسكرية استراتيجية أو خطة سياسية.

وعلى الرغم من أنه يكرر الشعار بشكل دائم من فوق كل منصة، فإن نتنياهو نفسه لم يحدد حتى الآن ما هو هذا النصر المطلق. تجريده وعدم محدوديته هي قوته. هو لا يفسر من الذي سيقرر متى سيتحقق النصر، وما هي معاييره وشروطه وما هو ثمنه. تحديده الملموس سيكون نهايته.

مثلا، ماذا سيحدث إذا لم تصل يدنا الطويلة ذات يوم إلى يحيى السنوار؟ إذا كانت تصفية هتلر غزة كما يعدون هي قريبة - أياما، أسابيع أو اشهرا - فهل حسابنا مع "حماس" أو حسابها معنا سيتم إغلاقه وينتهي الإرهاب وتنتهي الحروب؟ أين هو مكان المخطوفين في وهم النصر المطلق؟ هل في الخطة التي لا توجد خطوط عريضة لتحقيقها؟.

لأنه في هذه الأثناء وفي عاصفة الحرب والانفجار المسيحاني الهستيري الذي جلبته إلى السطح، فإن المخطوفين وعائلاتهم، مثل المصابين في 7 أكتوبر، اصبحوا مكشوفين وهم عائق يجب إزالته من الطريق إلى النصر والخلاص.

اتهام عائلات المخطوفين برفع ثمن إعادة أعزائهم من خلال وقف القتال، والمس بقيمة من سقطوا الذين قاموا بتوصيتنا بتحقيق النصر المطلق أو تحمل المسؤولية عن "المذبحة القادمة"، تحول إلى شعار المعركة لمعسكر الـ 64.

عندما نشر في هذه الصحيفة في 20 أكتوبر 2023 بأن "تفضيل تحويل غزة إلى انقاض على نشاطات إنقاذ المخطوفين وإعادتهم إلى البيت بأي ثمن، هو أمر وحشي، لا سيما من ناحية من يتحمل المسؤولية النهائية عن مصيرهم"، لم يكن بالإمكان أن يخطر بالبال كم هي النفعية والقذارة التي سيكون عليها موقف نتنياهو تجاه المخطوفين؛ وكيف والى أي مدى سيتم التخلي عنهم من اجل تحقيق انتصاره المطلق بعيد المنال، وبأي طريقة سيتم استخدامهم كأداة في نضاله للحفاظ على حكمه وتزيين جرائمه وحشد معسكره اليميني المسيحاني المتطرف، الذي يتوق إلى الحرب الأبدية. بالتالي، إعادة المخطوفين على قيد الحياة هو كابوس نتنياهو، الذي سيؤدي إلى إنهاء الحرب وأيضا إلى إبعاده عن الحكم وعن حياتنا.

الحروب لا تعتبر أحداثا شفافة. وأيضا محاضر الجلسات السرية لا تروي كل القصة عن الأسباب التي تجعل أمة تقوم بشن الحرب. معظم الحروب هي زائدة، وبشكل عام هي غير عادلة؛ أي أنها ليست دفاعية ووجودية. صياغة أهدافها وتحديدها غير منطقية.

الحسابات الشخصية والتاريخية والأنانية والنرجسية تلعب على الأغلب دورا في مأساة التجنيد والتجند للحرب. دافع نتنياهو لشن الحرب على غزة كما يبدو لن نعرفه بالتأكيد في أي يوم. يمكن فقط تخمينه. فهو يهتم ليس في أن ترك خلفه بصمات مكتوبة أو مسجلة، إلا إذا قفز أمامه مضمون النص المكبوت فجأة من الدرع المغلق الذي اصبح بالنسبة له طبيعة أخرى. في أوقات الأزمة دائما يختفي ويتبخر وكأنه لم يكن موجودا.

حرب لبنان الأولى في 1982 يمكن أن تعلمنا أمرا أو أمرين عن دوافع الحرب. وقد اعتبر زئيف شيف ويهودا يعاري هذه الحرب حربا غبية. "أساسها يقوم على أوهام، وطريقها مليئة بالتحايل ونهايتها خيبة الأول، والتي جبت منا ثمنا باهظا بالأرواح وتسببت بالضرر لمناعة الجيش والدولة".

حتى إصدار كتابهما قتل في الحرب 500 جندي، لكن حتى الانسحاب النهائي لإسرائيل من لبنان ارتفع العدد إلى 1200 جندي قتيل. للوهلة الأولى فإن إسرائيل شنت الحرب ردا على اغتيال سفيرها في لندن ومن اجل إخراج مستوطنات الجليل "من مدى نار الإرهابيين في لبنان"، رغم أن الجليل كان هادئا لأكثر من سنة قبل اندلاع الحرب.

لكن أهداف وزير الدفاع في حينه، اريئيل شارون، كانت طموحة اكثر بكثير: "حل" المشكلة الفلسطينية مرة واحدة والى الأبد، تصفية القيادة الفلسطينية وإقامة "نظام جديد" في المنطقة، وبنفس الثمن التعافي من صدمة الانسحاب من شبه جزيرة سيناء".

رئيس الحكومة في حينه مناحيم بيغن حركته صدمة أشباح عميقة. فإلى جانب الحاجة إلى إصلاح "الانسحاب من سيناء" أراد أن يستخدم الانتصار في لبنان لعلاج  الانكسار العميق في حرب يوم الغفران.

نحن فعلنا كل شيء من اجل منع الحرب والثكل، قال بيغن في جلسة الحكومة في 5 يونيو 1982، لكن "في ارض إسرائيل لا مناص من المحاربة بإخلاص. صدقوني، بديل ذلك هو (تريبلنكا). وقد قررنا أنه لن تكون (تريبلنكا) أخرى".

بعد ذلك قام بيغن بتشبيه ياسر عرفات المتحصن في بيروت بهتلر الذي اختبأ في حصنه في برلين. في الخيال الإسرائيلي هتلر لم يمت بالكامل. فقد بعث ويتم تجسيده مجددا على هيئة العدو في تلك اللحظة.

أنا أتوقف قليلا عند حرب لبنان في 1982 لأنه منذ ذلك الحين كانت حروب إسرائيل جميعها موجهة ليس ضد دول وجيوش نظامية، بل ضد المنظمات الإرهابية والسكان المدنيين المستضيفين؛ هذه الحرب شرعنت قتالا إسرائيليا من نوع جديد من خلال إزالة العوائق الأخلاقية والنفسية التي منعت المس بالتجمعات السكانية في المدن، والتجمعات السكانية المأهولة باكتظاظ.

الساحة الرئيسة للحروب وحملات العقاب التي شنتها إسرائيل في الأربعين سنة الأخيرة كانت قطاع غزة، التي كانت جميعها مبادرا إليها وغير متناسبة. هدفها الأساسي هو تعزيز وتعميق الاحتلال ومعاقبة السكان والردع واستعراض السيطرة على الأرض.

في نظر إسرائيل الرسمية، وحسب الأغلبية الساحقة في إسرائيل، غزة كانت دائما تمثل مكرهة وقلقا، شوكة في الخاصرة أو في المؤخرة. والغزيون لم يتم حساب لهم، ولذلك فإنه لم يتم الاكتراث بهم.

التصور الإسرائيلي الموهوم كان وما زال هو أنهم سيتلاشون في الهواء، أو أنهم سيختفون دون إحداث ضجة كبيرة. كونهم زائدين هو الذي عرّفهم. هم لم يعتبرون موضوعا، بشرا بحد ذاتهم، بل نوع من الرمز لما حدث لهم. أشياء مجردة تشهد على عبثية وجودهم وغيابهم. مطرودون ولاجئون إلى الأبد. يستحقون الموت لمجرد وجودهم.

قسم كبير من سكان القطاع هم أحفاد اللاجئين من العام 1948. وحسب ما كتب بني موريس في بحث له بعنوان "ولادة مشكلة اللاجئين"، كانوا في حينه 200 ألف شخص الذين تم طردهم أو هربوا إلى غزة من المجدل (عسقلان) ومن أسدود ومن قرى أخرى في جنوب البلاد.

خطة غزة لإعادة نحو 100 ألف شخص منهم إلى قراهم الأصلية تمت بلورتها في مؤتمر لوزان في 1949، الذي رسم حدود الدولة. إسرائيل أفشلت هذه الخطة لأسباب أمنية بالطبع، وبسبب أن ذلك يعرض الأغلبية اليهودية للخطر.

في 29 أبريل 1956 قتل روعي روتبرغ، مسؤول الأمن في "ناحل عوز"، أثناء محاولته حماية المزارعين في حقول الكيبوتس. وقد كان عمره 21 سنة عند موته. عملية القتل والتنكيل به أثارت عاصفة في أرجاء البلاد. رئيس الأركان في حينه موشيه ديان، الذي عرف روتبرغ في الجولة التي قام بها في المنطقة قبل بضعة أيام وأعجب به، قام بتأبينه بشكل نموذجي يشبه إشعار هوميروس من حيث جمالها. هذه الحادثة الفظيعة عادت وطفت على السطح في أعقاب الهجوم الدموي في 7 أكتوبر.

ولكن رجال دعاية الحرب في الاستوديوهات اقتبسوا التأبين، فقط الأسطر المريحة لهم مثل "يجب علينا عدم الخوف من رؤية الاختناق الذي يرافق ويملأ حياة مئات آلاف العرب، الذين يجلسون حولنا وينتظرون اللحظة التي يمكنهم فيها الوصول إلى دمائنا. هذا هو قدر جيلنا. هذا هو خيار حياتنا، أن نكون مستعدين ومسلحين وأقوياء، وإلا فان السيف سيسقط من قبضتنا، وحياتنا ستنقطع".

لكن رؤية موشيه ديان بعين واحدة كانت أوسع واشمل من رؤية الآخرين بعينين. فهو لم يرفع عينه عن مأساة الشعب الآخر، وعن الشعبين المتداخلين ببعضهما. جملة الافتتاح في التأبين هي جملة نادرة من حيث الحكمة، وهي غير منقوشة في الذاكرة والخطاب الإسرائيلي، لكنها نوع من الوصية التي يجب عدم السماح بمحوها.

"يجب علينا عدم إلقاء الاتهامات على القتلة"، قال ديان. "لماذا نحتج على كراهيتهم الشديدة لنا؟ ثماني سنوات وهم يعيشون في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، ونحن أمام ناظريهم نقوم بتحويل الأرض والقرى التي كانوا يعيشون فيها هم وأجدادهم إلى أملاك خاصة. ليس من العرب الذي يوجدون في قطاع غزة، بل من انفسنا، نحن نطلب دم روعي".

المصادر

هآرتس

التعليقات (0)