شيماء المرسي تكتب : رؤية إيرانية لسبب لجوء نتنياهو لسياسة الإبادة الجماعية في غزة

profile
  • clock 2 نوفمبر 2023, 8:32:38 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

منذ الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 على التوسعات الاستيطانية للاحتلال الإسرائيلي في منطقة غلاف غزة، شهد قطاع غزة عمليات قتل مروعة قامت بها آلة الاحتلال الإسرائيلي في وضح النهار وفي ظلام الليل الدامس، كمحاولة من جانب حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حفظ ماء الوجه إزاء الفشل الاستخباراتي والعسكري والتكتيكي الذي لحق به والذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الاحتلال منذ ظهيرة السادس من أكتوبر عام 1973.([1])

التعنت في وقف إطلاق النار

يدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” تغير مصيره السياسي بعد انتهاء حرب غزة، ولهذا يسعى نحو إطالة أمدها وتوسيع نطاقها، من أجل تغطية نقاط ضعفه في مجال الانفلات الأمني في الأراضي المحتلة، وتحمله مسؤولية الدعم الذي قدمه له السياسيون والمؤثرون في النظام الإسرائيلي.

ولا مبالغة في القول إن الحياة السياسية لبنيامين نتنياهو آيلة إلى الانتهاء، مع نهاية الحرب ووقف إطلاق النار، لاسيما وأن الجماعات اليمينية المتطرفة في حكومته،  غير راضية وغاضبة من ضعف الأمن الاستخباراتي لإسرائيل، وتراجع شعبية نتنياهو منذ تفاقم العدوان على غزة، وتزايد الغضب من الحكومة الإسرائيلية الحالية.

في الجولة الأخيرة من التصويت في الكنيست الإسرائيلي، والتي حضرها نتنياهو، أكد أحد زعماء اليمين المتطرف، أن لتل أبيب عدوين، وهما إيران وغزة، وبما أن إيران بعيدة المدى الجغرافي عن إسرائيل فلابد من تدمير غزة التي تدعمها إيران. ولهذا يستغلون وجود نتنياهو لتدمير القطاع، والتخلي عنه بعد انتهاء الحرب. ونتنياهو يُدرك هذا الأمر جيدًا.

الكاتب الإسرائيلي “جيف أبراموفيتز” أكد في مقالة نشرها موقع “آي 24” الإخباري، تراجع الدعم لرئيس الوزراء، وأنه إذا أجريت انتخابات اليوم سوف يُنحى ائتلافه الحاكم عن السلطة، حسبما أظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة معاريف اليومية.
ولكي يترك نتنياهو أمرا يشفع له لدى ائتلافه الحاكم، وربما حجة هروب من المحاكمة وأعباء قضايا الفساد الاقتصادي والسياسي والتستر عليها، يقوم حاليًا بأحزمة نارية عنيفة تستهدف المواقع السكنية للفلسطينين، ولهذا السبب لن يقبل وقف إطلاق النار بأي شكل من الأشكال.

حرب إبادة أم تطهير عرقي

تمت صياغة مصطلح الإبادة الجماعية لأول مرة من قبل المحامي اليهودي البولندي “رافائيل ليمكين” عام 1944م، من خلال الجمع بين كلمة ” “Genoوالكلمة اليونانية ” “cideالتي تعني العرق أو القبيلة.

وقد استخدم ليمكين مفهوم الإبادة الجماعية جزئيًا لوصف الهولوكوست، لكنه استخدمه أيضًا للتأكيد على الجرائم السابقة التي أُبيدت فيها الأمم والمجموعات العرقية والدينية لليهود كليًا أو جزئيًا. وفي ديسمبر 1948 اعتمدت الأمم المتحدة قرار منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية.

بعد ذلك أصبحت الإبادة الجماعية جريمة مستقلة يُعاقب عليها القانون الدولي. وجرمها نظام روما الأساسي لعام 1951م ومحاكم رواندا ويوجوسلافيا السابقة وغيرها.

وفقا للحقائق القانونية، فإن ما يفعله الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، هو بمثابة إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، إلا أن الغرب يُصرّ على أن هذه التصرفات هى “دفاع عن النفس”.
في المقابل، حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، “فرانشيسكا ألبانيز” من أن الفلسطينيين معرضون لخطر التطهير العرقي الجماعي. وأكدت على ضرورة تكثيف الجهود للتوسط في وقف فوري لإطلاق النار بين الطرفين”. أما رغبة الغرب في تبرئة النظام الإسرائيلي من تهمة “الإبادة الجماعية” تعود إلى أن هذه الجريمة تعتبر الأشد خطورة في القانون الدولي، والأشد خطورة إذا عرضت أمام المحكمة الجنائية الدولية. وبموجبها فإنهم ملزمون بمنع حدوثها ومعاقبة الطرف المجرم.

والتطهير العرقي هو المصطلح السائد والمستخدم لتجنب استخدام مصطلح الإبادة الجماعية، وعلى عكس الجرائم ضد الإنسانية والترحيل أو التهجير القسري للسكان، فإن مصطلح التطهير العرقي وجرائم الحرب غير موجودين في نظام روما الأساسي والمحكمة الجنائية الدولية.

كما أنه لا توجد معاهدة تُجرم التطهير العرقي. لعل هذا يوضح السبب وراء استخدام مصطلح التطهير العرقي من قبل بعض الحقوقيين الغربيين. هو ليس إدانة لجرائم إسرائيل، وإنما تزييف للحقائق ومحاولة تمييع الجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين.

التوصيف القانوني للعدوان على غزة

من الناحية العملية، فإن استخدام مصطلحات “التطهير العرقي” أو “الإبادة لاجماعية” أو “جريمة ضد الإنسانية” لا ترتبط بعدد الأشخاص الذين قتلوا، بل بمعايير قانونية معينة. على سبيل المثال، وفي سياق جرائم دارفور في السودان، أعلنت لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في دارفور لا يمكن اعتباره “إبادة جماعية” لأن العدد غير كافٍ.

ومع ذلك فإن التقرير المذكور لا يعني تبرئة الأشخاص الذين تتهمهم الحكومة السودانية بارتكاب جرائم دولية، وبدلًا من ذلك، ووفقًا للبيانات القانونية المتاحة، تم اتهامهم بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

وفيما يتعلق بالنظام الإسرائيلي، فتُظهر تصريحات المسؤوليين الإسرائيلين الذين وصفوا الفلسطينيين بأنهم “حيوانات في ملابس بشرية”، ورغبتهم في ترحيلهم القسري والجماعي إلى سيناء، وأماكن أخرى، علاوة على تصميمهم العقائدي على هدم المسجد الأقصى وإقامة معبدهم أو هيكلهم المزعوم أن ما يفعلوه منذ بدء القتال، من استهداف المستشفيات ودور الرعايا والمساكن وقطع الكهرباء، ومنع الإمدادات الطبية للمرضى والمصابين، هو إبادة جزئية أو كلية لشعب غزة الرافض لمخططات الترحيل القسري خارج حدود فلسطين.

بما أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يشمل جميع الأراضي الفلسطينية، فإن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يمكنه أن يُباشر شخصيًا تحقيقًا ضد النظام الإسرائيلي، دون أن يكون الأخير عضوًا في تلك المحكمة، لأن هذه الجرائم وقعت على أراضي دولة من الدول الأعضاء. 
باشرت المحكمة الجنائية الدولية ولايتها القضائية للقضية الفلسطينية ومنطقة غزة والضفة الغريبة بما فيها القدس، وفقا لجلستها الأولى التي أصدرت فيها قرارها القانوني بتاريخ 5 فبراير 2021.

خاتمة

جملة ما أعلاه، أن قرار وقف إطلاق النار مرهون بأبعاد سياسية، تحول دون تنفيذه من الجانب الإسرائيلي، ودون أن يكون هنالك أي تدخل دولي لمنع استمرار القتل الجماعي للفلسطينيين.

وعلى الرغم من استحالة الإثبات القانوني لنية الحكومة الإسرائيلية في إبادة شعب غزة جزئيًا أو كليًا، إلا أن تجنب ذكر مصطلح “الإبادة الجماعية” في الإعلام الغربي، يرجع لأسباب قانونية، لكن سيكون من المُستحسن عدم استخدام مصطلح “التطهير العرقي”، في إعلامنا العربي لأنه لا يُجرم حكومة نتنياهو وفقا للقانون الدولي، لذلك من الأفضل استخدام مصطلحي “جريمة ضد الإنسانية” و”جريمة حرب” أيضًا.

ــــــــــ

[1] المادة المعلوماتية والتحليلية في المقالة مستقاة من مقالة للباحث الإيراني، علی بیگدلی، الخبير في الشؤون السياسية الدولية، بعنوان: “چرا نتانیاهو به دنبال نسل‌کشی در غزه است؟”، ويعني: “لماذا يبحث نتنياهو عن إبادة جماعية في غزة؟”، نشرها في موقع “راهبرد معاصر”، المقرب من الحكومة، يوم الأحد ۷ آبان ۱۴۰۲هــ. ش. الموافق 29 أكتوبر 2023م

كلمات دليلية
التعليقات (0)