جلال نشوان: أزمة أوكرانيا وحسابات السياسة والهيمنة 

profile
جلال نشوان كاتب صحفي
  • clock 10 فبراير 2022, 5:17:40 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

باتت أزمة أوكرانيا بمثابة كابوس يؤرق الروس، ويقض مضاجعهم، وتدفعهم إلى التحالف، مع جارتهم، ومنافستهم الشيوعية السابقة، من أجل أن تسعف اقتصادهم، وبحث البدائل لصادراتهم من الطاقة، وإيجاد مصادر جديدة للاستثمارات، لذا جاءت زيارة قيصر روسيا ( بوتين ) للصين ، وذلك لأن الغرب أعد العدة لخنق روسيا ، إن غزت الأخيرة أوكرانيا وهنا يداهمنا السؤال الأكثر إلحاحاً : 
هل يقامر القيصر بغزو أوكرانيا؟ 
استفزازات اوكرانيا لروسيا متعددة، وأصبح العملاق الروسي لا يحتمل تلك الاستفزازات، فأوكرانيا أصبحت قاعدة عسكرية كبيرة للغرب، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على إمن روسيا ... 
الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية، هائلة، حيث بلغت تلك الحشود إلى 100000جندي، الأمر الذي دعا بايدن، إرسال قوات كبيرة إلى شرق أوروبا
المعطيات على الارض، توحي بأن العالم على صفيح ساخن، فالأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم ، لذا  طار القيصر إلى الصين ، لبحث تلك التداعيات لإنقاذه من ورطته الأوكرانية ،  التي قد تكلف روسيا علاقاتها الاقتصادية المتطورة مع أوروبا، إضافة إلى زيادة قلق جيرانها  من طموحاتها ومخططاتها المستقبلية، الأمر الذي سيدفعها أكثر نحو حلف الناتو.
وفي الحقيقة: 
العملاق الصيني ماض نحو بسط سيطرته الاقتصادية على العالم بأسره، والاستثمارات الصينية في كل بقاع الأرض خير دليل على ذلك، ومن هذا المنطلق فالصين لها مصالح اقتصادية وطيدة مع أوروبا وأمريكا وباقي دول العالم المهمة، بل حتى مع أوكرانيا، وهي تسعى لتطويرها وإزالة العقبات عن طريقها ، فهل تضحي  الصين  بمصالحها من اجل عيون القيصر؟
 الولايات المتحدة الأمريكية وضعت نصب أعينها تضييق الخناق على روسيا وتحطيم اقتصاداتها، ومحاصرتها سياسياً وتبذل جهود مضنية لإقناع ألمانيا بالتخلي عن الخط الاستراتيجي الناقل للغاز من روسيا إلى أوروبا، ولكن دون جدوى.
أوروبا أوفدت الرئيس الفرنسي ماكرون في مهمة لنزع فتيل الأزمة، وتوضيح خطورة غزو أوكرانيا وهنا نتساءل: 
هل نجح ماكرون في تهدئة الأمور؟ إم أنه أوصل رسالة تحذير لقيصر روسيا؟ 
 أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية اتفقوا على وضع حد للهيمنة الروسية وأن المساس بأوكرانيا، هو تهديد للأمن الأوروبي والعمل جاري على فرض عقوبات شديدة على   روسيا، والاستغناء عن الغاز الروسي
وغني عن التعريف: 
 إن روسيا ستضرر كثيرا إن استغنت أوروبا عن الغاز الروسي، لأنها تعتمد بالدرجة الأساس على صادراتها من المواد الأولية. وأن خط (نورد ستريم2) لم يبدأ العمل بعد، رغم اكتماله في سبتمبر 2021، ما يعني أن الاستغناء عنه لن يحدِث ضررا آنيا على الاقتصاد الأوروبي، خاصة ألمانيا ...
الدول الأوروبية الأخرى ستجد نفسها في حرج شديد إن حصل أي تطور عسكري في ملف أوكرانيا، لذلك ستضطر إلى تشديد العقوبات على روسيا وإيجاد بدائل لواردات الطاقة الروسية، حتى وإن كان على الأمد البعيد
أزمة أوكرانيا أوضحت بشكل جلي وواضح عدة حقائق منها:
 أنه لا يمكن لأي دولة، خصوصا الدول العظمى، أن تشرعن احتلال أجزاء من دول أخرى مستقلة، وضمها من قبل دول أقوى منها، وليس متوقعا أن تتجاهل الصين هذا المبدأ، وهي التي لم تُقدِم على ضم تايوان، التي تعترف معظم دول العالم، بما فيها تايوان نفسها، بأنها جزء من الصين، وأن هناك صينا واحدة، لا اثنتين. الصين تعلم جيدا أن تايوان دولة مستقلة فعليا منذ سبعين عاما، ولها نظام سياسي واقتصادي مختلف، ولها علاقات دولية مستقلة، خصوصا مع الولايات المتحدة، التي شرَّعت قانونا أمريكيا ملزِما بأن تنتصر لتايوان إن تعرضت إلى هجوم خارجي. لذلك احترمت الصين، وإن مضطرةً، حق تايوان في الوجود والعيش في ظل نظام مختلف عنها، خصوصا وأن أي تحرك ضدها سيخلق أزمة خطيرة مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
لا شك أن حسابات السياسة بين كل من الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحلفائهما في آسيا وأمريكا وأستراليا، من جهة ثانية، ستعمل على تقارب الصين وروسيا. فروسيا ستستخدم العلاقة المتطورة مع الصين للضغط على أوروبا وأمريكا، والإيحاء لهما بأنها يمكن أن تستغني عن صادراتها إلى أوروبا، عبر إقامة شركة غازبروم الروسية خطا ناقلا للغاز إلى شمال الصين يمر عبر منغوليا، المحصورة بريا بينهما، وأن بإمكانها أن تستغني عن وسائل الدفع المصرفية العالمية بالدولار، عبر إيجاد آلية جديدة للدفع المالي، التي تفكر الصين بتصميمها كي تعمل خارج النظام المالي العالمي.
 الصداقة بين روسيا والصين قوية وعلى أعلى المستويات ة. لكن الحقيقة أن هناك تضاربا في المصالح، وما يجمع البلدين حاليا هو المشاكل القائمة لكل منهما مع الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما، وإن كانت مشاكل الصين مع الدول الغربية اقتصادية بالدرجة الأولى، وهذه يمكن تسويتها، بل لابد أن تسوَّى في قابل الأيام، فإن المشكلة مع روسيا أعمق بكثير، خصوصا محاولتها فرض وجودها بالقوة العسكرية كقوة عظمى، مع أنها دولة.
من يتأمل المسار السياسي الذي تتبعه الصين سيجد تبايناً واضحاً من حيث اختلاف نظامي الحكم فيهما. فبينما يحكم الصين الحزب الصيني المركزي وهو حزب منظم ومنتشر وراسخ الجذور، وتبرز قياداته عبر الترقيات الحزبية والانتخابات والأداء الناجح للأعضاء، فإن روسيا تحكمها مؤسسة أمنية سرية متمرسة، يقودها رئيس الدولة الذي تربى فيها منذ بدء حياته في سلك الاستخبارات الروسية وهو يحمل طموحات كبيرة لروسيا العظمي لتكون قوة عظمى يحسب لها الف حساب لإعادة الأمجاد السابقة  
وفي الوقت الذي تعطي فيه الصين أولوية للتنمية الاقتصادية والعلمية وصناعة الثروة، التي تعتبرها الأساس الرصين لتوسيع النفوذ والهيمنة، فإن روسيا تنتهج مسارا معاكسا، وهو كسب النفوذ والهيمنة بالقوة العسكرية التي تمتلكها منذ أيام الإتحاد السوفيتي 
يعوِّل قيصر بوتِن كثيرا على علاقته بالصين، لدرء الأخطار الناجمة عن سياساته المناهضة للغرب، لكن الواضح في هذه العلاقة، أنها لم تبنَ على أسس استراتيجية رصينة، بل تميل إلى كونها تحالفات وفق الحاجة يستفيد منها الطرفان، ووسيلة ضغط يمكن أن تحقق مكسبا هنا وتنازلا هناك لكل منهما.
قيصر روسيا ( بوتين ) لجأ إلى الصين مضطراً  تحت الضغوط الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية الدولية،، بينما تنتفع الصين من هذا الاضطرار الروسي عبر تحقيق مكاسب اقتصادية، من خلال توسيع الاستثمارات الصينية في روسيا، والاستفادة من صادراتها من الطاقة.
التوسع الروسي، العسكري ليس في مصلحة الصين على الأمد البعيد، لأن الدولة الصينية غير مستعجلة لتحقيق أي نصر على أي من خصومها، فهي واثقة من رصانة قوتها الاقتصادية ومن أهمية مكانتها الدولية، على العكس من روسيا التي يرى قادتها، على ما يبدو، أن الزمن يسير باتجاه معاكس لطموحاتهم. فإذا ما أصبحت أوكرانيا وباقي دول الاتحاد السوفيتي السابقة، تدور في كوكب الغرب، وقوية اقتصادياً ومحمية عسكرياً، عبر عضويتها في حلف الناتو، فإن ذلك سيكون على حساب النفوذ الروسي
حقاً : 
حسابات القوة والهيمنة تطغى على المشهد، لكن اللافت للنظر إن العملاق الصيني غير مستعجل للولوج في هذا الطريق، فسياسته انتهجت الرصانة والحكمة وتعزيز قوته الاقتصادية والعلمية، وبعد النظر، لذا هدأ الرئيس الصيني من روع بوتين ونصحه بعدم الانزلاق في وحل أوكرانيا وربما أوصل الرئيس الصيني رفضه لنهج القيصر ...
ومهما كانت قوة ومتانة العلاقة الروسية الصينية، فإن العملاق الصيني لن يغامر الصين بعلاقاته المتطورة مع الدول الغربية من أجل إنقاذ روسيا ومساندتها في مشاريع لا تتفق معها. والأهم من ذلك، فإن النظام المالي الصيني يعتمد كليا على الدولار، وأي عقوبات أمريكية على روسيا، سوف تعيق التعاون الصيني معها، خصوصا مع صعوبة تطوير آلية للتعامل المصرفي خارج النفوذ الأمريكي.
أزمة أوكرانيا، شديدة التعقيد، وروسيا لن تسمح بالتهديد لحدودها ويبقي السؤال هل يقامر قيصر روسيا بغزو أوكرانيا ومن منطلق حسابات القوة والهيمنة الأيام القادمة تحمل في طياتها الكثير وان غداً لناظره قريب

 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)